مكانة المعلقات في الشعر العربي



يعتبر شعر الجزيرة العربية القديم قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة، أعظم زهرة أدب برية مبهجة بإمكان الشرق إبرازها. مقارنة به، يتسم كل الشعر الأسيوي ببعض سمات الحديقة، حسن مظهر الوردة المستنبتة والياسمين والسوسن، غير أن شعر الجزيرة يتحلى بالجمال الهائم لسوسن الحقل، ليس هذا فحسب، بشيء أكثر برية، زهرة دون حقل بتاتاً، بل الصحراء الجرداء التي تكتسي بعد مطر الربيع وهلة أزهاراً غريبة فريدة لم تعد ترى. كل ما يمكن أن يشبهه بإنصاف هو الجزء الغنائي في الكتاب العبري المقدس القديم - أجزاء من كتاب أيوب، ومزامير داود دون ورعها، نشيد أشاد سليمان دون معناها الصوفي. أوروبياً لعل أقرب نظير لها يمكن أن يوجد في أشعار الايرلنديين السلتين قبل المسيحية، التي من غريب الصدف جاءت في فترة زمنية مماثلة وفقدها ظرف مماثل حافزها الطبيعي الجامح عند اعتناق شعرائها الملحميين الوثنيين ديانة جديدة مهيمنة.

لا نعرف شيئاً عن التاريخ المبكر لشعر الجزيرة القديم باستثناء أنه إنتاج فطري للأرض العربية، ليس عديم الارتباط بحضارة اليمن الأولية، كما حصل على أهمية جديدة عند التشتت التاريخي للقبائل اليمنية في القرن الثاني من العهد المسيحي وتأسيس المملكات العربية في الشمال، الغساسنة والحيرة. في الزمن الذي كتبت فيه أول قصائد نملك سجلاً لها، أي بعد ثلاثة قرون، كانت الجزيرة العربية ترزح تحت احتلال عشائر ريفية إلى حد ما، تتبع العادات نفسها وتتكلم اللغة عينها وترتبط بعهد الشرف ذاته في الحرب والسلام. كان لكل قبيلة "ديرتها" الخاصة لا تتجاوز الماشية والقطعان حدودها وخيام نسائها. لكن لم يلتزم كبار القوم، من أي عشيرة كانت بهذه الحدود. علاوة على الغزوات التي كانوا يقومون بها لعدة مئات من الأميال في وقت الحرب، كانوا يسافرون بعيداً في وقت السلام وحيثما لم تكن هناك دماء ثأر، يمرون من قبيلة إلى أخرى متمتعين بالكرم وباحثين عن المغامرات ومرددين، بالموهبة التي ملكوها، إلقاء قصائدهم. حين أصبح مثل هؤلاء المغنيين والمحاربين معروفين وعمت شهرتهم في الخارج، تنافس شيوخ القبائل في استقبالهم، وود ملوك العرب الغساسنة وفي الحيرة على وجه خاص جذبهم إلى بلاطهم. شعر الأمراء بمتعة ثقافية حين يحاطوا هكذا بمن يشبع غرورهم ويزيد من تأثيرهم. حصل شعراء الجزيرة على معرفتهم بالعالم الخارجي بشكل غير مباشر عبر هذين البلاطين المتنافسين. تبع أمير الغساسنة قيصر روما البيزنطية. تسمع في شعر الجزيرة العربية أصداء خافتة للأسماء الإمبراطورية اللامعة، لكنها مجرد أصداء تأتي من البعيد وتستقبل من قبل وسيط بشكل مباشر.

لا يصعب على من يسافر في شمال نجد أن يكون صورة لنفسه في ما كان البلاط الأميري آنذاك، الذي لا يمكن أن تكون مختلفة جداً عن بلاط ابن سعود وابن راشد اليوم. احتفظ الأمير، نصف بدوي ونصف حضري، بصفاته الصحراوية وكان شيخاً لقبيلته النبيلة، وثرياً بفضل محصول غلته. كان في المدينة، حيث شيد لنفسه حصناً، حاكماً وسيداً وملكاً. أخذ جزيته في الصحراء عبر قوة ممتطي إبله وخيوله. حصل ضريبته من السكان المقيمين على حافة الصحراء بواسطة حراسه العرب من جنود المشاة. شهدته شهور البرد والقيظ الملتهب مقيماً للعدل يومياً في قلعته، بينما الربيع والخريف شهداه في خيامه أو على ظهر جياده غازياً أعداءه. كان العرب الغرباء يجيئون ويذهبون، يستقبلون ويغادرون كما يريدون، بعضهم ينشد مديحه مقابل ما يعطى من هبات سخية وآخرون ساخطون لأنهم أهملوا، كلهم سواسية في عدم الهيبة من السلطة، عملاً وقولاً. كانوا صقوراً بريش هائج لا يروضون بالتهديدات أو تزلف الخدمة الدائمة. وهكذا يجد المرء في هذه الأيام، حتى في مصر التي يحكمها الإنجليز، بعض البدو من وسط الجزيرة العربية، أشخاصاً ضالون من قبائل مطير وحرب والعتيبة، متجمعين في شبه عمل حول بلاط الخديوي في القبة. قد يعثر بينهم هنا وهناك على شاعرٍ، هنا وهناك عازف ربابة، كلهم فرسان. يأتون ويعملون فترة " كراكبين " يمتطون مهور الخديوي وإبله. إنهم مظاهر زينة بملابسهم الزاهية ومعداتهم، فرسان مهرة وأمناء في خدمتهم. لكنهم لا يتنازلون للقيام بالأعمال اليدوية، ولا التدرب كجنود أو النوم في البيوت وارتداء الثياب الرسمية. وعند أدنى هبة فارغة يفرون. يذهبون من القصر ويذمون الأمير أو يمدحونه بصراحة، لا يغريهم بالرجوع ثانية لا مال أو تفكير بالخوف أو الهبة.

كان شعراء الجاهلية، كما دعاهم الكتاب المسلمون، أحياناً أمراء أو من عائلة أمراء. كانوا على الأقل سادة أحرار بالدم والسلالة، لا يحط كد من قدرهم، يتجاهلون " نبل العمل ". كانوا محاربين وفرساناً رحالين، أبطال قصصهم الرومانسية، متأهبين بالحسام والرمح، فرساناً وممتطي إبل، يعيشون في الخيام من طفولتهم ومتمرسين على الأعمال الجسدية الشاقة بكل أشكالها. يقومون بالأعمال الصعبة في الهواء الطلق، لم يكن أسياد الغناء الصحراوي الشجعان هؤلاء مجرد منحلين " المغنين الكسالى ليوم فارغ "، بل رجالاً مصممين على عيش كل ساعة من حياتهم اللاهية، والاستمتاع بكل متعة تقع تحت أيديهم لتحقيق أقصى مسرة. لا نجد هنا شيئاً من الكآبة الأوسياناكية (أوسيان: شاعر وبطل ايرلندي- المترجم) التي عند شعرائنا الملحميين القدامى، لا شيء من الشكوك الخرافية ورعب الضمير كما في أوروبا العصور الوسطى من مخاوف عذاب ما بعد القبر، لا شيء من القيود الدينية لشعر المسلمين لاحقاً. قاموا بصراحة وشجاعة مذهلة بكل ما فيه متعة ولذة.

كان العرب الأوائل، كما زالت سلالاتهم البدوية الحقيقية، ماديين بكل ما في الكلمة من معنى. لم يؤمنوا لا بالجنة ولا بالنار ولا بأي حياة بعد التي كانوا يستمتعون بها. في الدين لم يفهموا شيئاً سوى توحيد مبهم ملطف بوثنية تكفي للقسم بها، وإن لم تكن كافية لتطويع حياتهم وفقها. كانوا أقل البشر إيماناً بالخرافات، وأقلهم تأثراً بالخوف من الصنم ورعب الغول. كان من عادتهم الخروج في الليل وقضائه في طرب وغناء جالسين حول نار المخيم تحت النجوم ، ثم النوم في النهار، نمط من المعيشة لا يترك فسحة لتصورات الأشباح التافهة التي تولدها أساليب العيش داخل البيوت والخوف من العتمة. لم تكن هناك خشية من الوحدة، أو رهبة من الجبال التي هيمنت آلاف السنين على العقل الأوروبي، وحولت حقول الثلج في الألب وغابات الصنوبر الشاسعة في ألمانيا إلى الموطن المرعب للقوى والأشكال الخرافية التي ينبغي تجنبها. ابن المدن في الشرق، قاطن بيوت الحجر والطوب هو من يرتعد عند التفكير بالجن، وليس ساكن " بيت الشعر ". يعرف البدو صحراءه حق المعرفة فلا يخاف منها. كثيراً ما مكث وحيداً في ليل ونهار جباله دون حلم بأنها مسكونة بما هو غير طبيعي. يقرأ الأصوات التي يسمعها في العتمة في صباح اليوم التالي، كما لو أنها في كتاب، ويفسرها بالآثار التي خلفها متعقب الفريسة على الرمال. ليس هناك من صوت في كل الصحراء يجهله، أو غير مألوف منذ الطفولة، ولا يرجعه دوماً إلى مسببات طبيعية. لماذا عليه الشعور بالخوف إذاً? غياب القوى غير الطبيعية هي السمة المميزة للشعر الجاهلي، سمة تناقض كل الشعر البدائي الآخر.

في الأخلاق، يقف عرب ما قبل الإسلام، بالرغم من بعض الهفوات، في مرتبة فذة أعلى من أي جيران لهم في آسيا. مع ذلك ما يجدر ذكره أن قانون سلوكهم لم يقم على وازع ديني، بل يجاهر بشرف الفرد والقبيلة، بعبارة أخرى، يقوم على الاعتقاد التقليدي. المناقب التي عشقوها كانت الشجاعة والكرم وسخاء الضيافة وحماية الضعيف وكل من يستجير بهم، واستعدادهم لعون الصديق والثأر من مرتكب الخطأ، والتضحية الفورية من أجل القبيلة في الحرب والسلام. كانت شجاعتهم من نوع يختلف ربما عن التي نقدرها نحن. كانت بسالة شعب عصبي سريع الهياج ويتطلب مشاهدين وصوتهم الداخلي لتقديم أفضل ما في حوزتهم، استخفاف قبل المعركة وتفاخر مفرط بعدها. نادراً ما كانوا بحاجة لتوبيخ نسائهم الساخر لمقابلة أعدائهم أو منعهم من الفرار. ما زالت من عادة القبيلة في الجزيرة اصطحاب النساء في الحرب لحث المتقاعسين على القتال برجولة، وأخذ فتاة معهم تمتطي جملاً لتغني وتصرخ بهم حين يحمى وطيس المعركة. وهكذا لا يخشى رجال القبائل اليوم الموت ولا الجراح ويصبحون أبطالاً.

في كرمهم أيضاً خيلاء تقوى في حضور الأصدقاء. يهب الشيخ العظيم، حتى لو كان في داخله بخيلاً، العطاء بسخاء أمام الملأ وذلك لاحترامه في عيون جيرانه ولأن سمعة اليد المفتوحة تكسبه عديداً من الموالين. لعل الحافز ليس سامياً، لكنه مفيد في مجتمع يعتبر العطاء أعظم من الاحتفاظ بالأشياء، واليد السخية عند بعضهم سخية حقاً. الفضيلة الغالبة في الجزيرة هي الضيافة. من العار على أفقر الناس وأحقرهم صد الغريب، ولا يرد أحد غريباً عن باب خيمته حتى لو كان وحده. يتدخل الضمير ويمنع ما قد يمس الشرف. ثمة مسألة أخرى تتعلق بالضمير وهي الأخذ بالثأر. تصبح هذه في التفكير العربي النبيل حافزاً حماسياً، ضرورة جسدية تقريباً، تحرم صاحبها إن لم تطع من النوم والطعام والصحة وتحيله إلى رجل بائس. وبالمثل كذلك، وإن كان على درجة أقل، عون الضعيف وحماية المستجيرين الذين يلقون بأنفسهم تحت عباءة الحامي حتى لو كان عدواً. في كل هذه الحالات يتصرف العربي الأصيل وفق المبادىء التي يكون من السخف عدم اعتبارها أخلاقية، ومع ذلك ليست ملزمة للمسلمين عموماً، ولا تمارس بأمانة في أي مكان في غرب آسيا بل في الجزيرة العربية فقط.

في ما يخص المرأة، كان عرب الجاهلية مخلصين وعمليين. لم تكن الفتيات والنساء الكبيرات في القبيلة عبيداً كما في أوروبا البدائية، بل نساءً أحرار المولد يتمتعن بحق الاختيار قبل الزواج وترك البيت إذا شعرن بعدم الرضا بعد الزواج. كان لهن اعتباراً عند الرجال ومركزاً اجتماعياً أفضل ليس من النساء في معظم بلاد الشرق الوثنية، بل حتى من المسيحيات المعاصرات لهن آنذاك. تحلى عديد منهن بالشجاعة والثقافة، إذا أمكن استخدام الكلمة مع من لا يحسن القراءة والكتابة مثل أزواجهن وعشاقهن. وعليه، وجد العرب مادة رومانسية محلقة في نسائهن بني عليها نظام الفروسية الكامل، الذي اعتدنا على اعتباره الوضع المسيحي في النظر إلى الأشياء، بينما في الواقع وفي خطوطه الخاصة ما قلدته أوروبا العصور الوسطى وطورته أصلاً من الأنموذج العربي القادم إلى إسبانيا عبر إفريقيا. ترحال الفرسان، التجوال على صهوة الجياد بحثاً عن المغامرات، إنقاذ السيدات الأسيرات، المساعدة التي تقدم في كل مكان لنساء في محنة، كل هذه في الأساس كانت أفكاراً عربية، مثل اسم الفروسية نفسه، ربط السلوك المشرف بممتطي الخيل، رجل نبيل الدماء، الفارس. السلالة، الفخر بالذرية، الإيمان بنوعية الدم، تورث من جيل إلى جيل كشيء سامٍ إما في الثروات أو الفوائد العرضية الأخرى، وتمنح صاحبها صفات أخلاقية يستحيل على السوقي الحصول عليها، لم تكن هذه إلا عربية، وإذا حدث وإن وجدت أصلاً في أي مكان بين غير العرب، لا يكون الاعتقاد بها قوياً كما عند العرب. يبقى التفاني في حب امرأة نبيلة، بعرقها وأهلها النبلاء موضوعاً يسهب شعراء الحب فيه، ويوضع في المقام الأول في كل قصائد المعلقات. في الوقت نفسه، ثمة اختلاف بين تفاني العاشق العربي ومقلده الأوروبي، الفكرة تكمن في الفكرة المسيحية المتعلقة بكبح النفس عن الشهوات الجسدية كفضيلة خاصة لا تدخل قط في فكرة العربي عن الحب. أحب التروبادور (الشاعر الجوال) العربي الاستمتاع بحبهم وكذلك في قوافيهم تجد المرأة القاسية المزدراة مكاناً ضيقاً في شعر ما قبل الإسلام، إذ إنهم فضلوا المرأة اللطيفة التي شاء القدر فراقهم عنها. إلى حد ما، المرأة المحبوبة المفقودة دوماً ما تندب من قبلهم بشوق حار. من أجلها يقومون بأعمالهم الخالدة ويحتفون بها في أكثر أغانيهم الباقية، ذكرى فترة من زواج قصير الأمد قضي في عزلة تامة في الصحراء في وادٍ مطبق بتلال مقفرة لا تخضر إلا بضعة أسابيع في الربيع، ثم تضيع وتترك بلا جمال.

لا يوجد مكان على وجه البسيطة كالصحراء العربية، حيث يعيش الحب في مثل هذه الظروف العسيرة المحببة، وحيث تشبك العزلة الهائلة أرواح الرجال والنساء ويعتمد كل منهم على الآخر بسبب الضغط المتواصل للمخاطر المادية. يصبح كل " بين شَعر " حصناً في البرية، ينصب في وادٍ ناءٍ ضد قوى الطبيعة ويبقى هناك كحامية لساكنين اثنين. في السهل المنبسط بجماله البري الشح، تصبح لكل شجيرة وحجر وخنفسة وسحلية وآثار اليربوع النادرة والغزال أو النعامة على الرمل، قيمة تذكر ربما بعد سنوات، بينما تبقى حجارة الموقد السوداء والمهجورة دليلاً على فترة الحب القصير. تجتمع القبيلة عند الترحال فقط، يقود الرجال قطعان الماشية وتجلس النساء في الهودج على ظهر أطول جمل، يغنين أثناء المسير. ذاك منظر خلاب دوماً، يعمر في الذاكرة عندما تنتهي الخيوط المجتمعة في الوديان عند المغيب وعلى قمم التلال والذاهبة إلى المراعي الجديدة. هذا ما أنشده زهير في معلقته. رحلت أم أوفى، المرأة التي أحب وأنجبت له ابناً. تركته طواعية ربما لخطأ ارتكبه، أو ظروف قاسية، لكنه لن يراها ثانية. لا تبلغ رومانسية البدو نقطة أعلى من هذه. الحب لا يمسه إن كان دون طائل. في الواقع، ليس هذا الحب الحلو الوحيد، لكنه دوماً الموضوع الرئيس لهؤلاء الشعراء الهائجين. كثيراً ما تذكر العاطفة من أجل المتعة والمغامرة، والتبجح بخدمات منحت أو جنيت. لا ينبغي على قارىء المعلقات توقع العثور فيها على دماثة المتوددين في غرف الاستقبال عندنا، ولا وجود فيها لحب الملائكة والغلمان.

لم يملأ الحب، من أي نوع، مادي أو مثالي، مجال الرؤيا كلها للمنشد البدوي. كان تعامله مع الرجال دوماً أكثر أهمية، وما شغل فكره، إذ إليهم يعود من رحلاته القصيرة إلى مملكة الرومانسية. إذا تباهى أحياناً بانتصاراته في الحب، فإنه يتفاخر عشر مرات أكثر لانتصاراته في ساحة الوغى، في خيمة المداولة كمرحب بالضيوف وحتى، يا لعاره، كمدمن شراب النبيذ. أعتبر شرب النبيذ في الجزيرة قبل الإسلام اختباراً لنزوة نبيلة، ولا يشوه سمعة نبيل شاب تبديد ثروته على دعوات صحبه على قشر العنب المعصور المزال منه الصمغ، الذي كان يباع في المزاد في محل بائع النبيذ، حتى بعد ذهاب الجميع. هذا، بالإضافة إلى حب لعب الميسر، التغير الرئيس في أخلاق عربي المعلقات والعربي المعاصر، حيث الخمر والقمار غير معروفين. توجد الشوائب الأخلاقية الكثيرة في القصائد، ولا يتمنى المرء عدم وجودها لأنها تظهر واقع الحياة الموصوفة. الواقعية الحيوية المدهشة هي بالفعل سمتهم الأساسية. قد نغفر لهؤلاء الشعراء عندما يخبرونا عن هفواتهم ضمن الصور الرائعة التي قدموها لنا عن المناظر والأصوات وعجائب الطبيعة في الصحراء المألوفة لديهم. لا نجد حتى في كتاب داود تقديماً أفضل لحياة من يسير على أربعة كالذي في المعلقات. يوصف الحصان والجمل والظبي والذئب مراراً وتكراراً وكذلك الحمار الهائج وأروع المخلوقات، النعامة وصغارها. ما الذي لا نقدمه لقاء صور موصوفة للثور البري في أوروبا والإلكة والقندس والدب بهذه القيمة الطبيعية عند شعرائنا القدامى ? عاش شعراء الجاهلية مع هذه المخلوقات البرية الحية، ووصفوها بالإضافة إلى العواصف التي كانت تدمر قراهم بين الفينة والفينة وتخفي في ليلة حجارة مخيمهم الذي يذكر بشكل مؤثر، قيظ الشمس أثناء سيرهم الطويل في النهار، والنجوم معلقة فوق رؤوسهم كقناديل من القبة الزرقاء، وترى السفن من سواحل البحر، لكن العودة ثانية إلى إبلهم وجيادهم هي ما تعود دوماً أفكارهم إليه ولا يكلون من وصفها أو يخشون إرهاق سامعيهم بذكرها.

هذه حالة الجزيرة قبل الإسلام وهذه طبيعة شعرائها. أشهر ما برز من بينهم كان كتاب المذهبات السبع المعروفة أيضاً بالمعلقات. ما يعرف تقليدياً عنها أنه في السوق السنوي في عكاظ غرب نجد، كان كل شاعر يلقي بقصيدة تعرض على الجمهور الذي يصوت لتقرير جدارتها، ويحكم لاحقاً بأنها الأفضل فتكتب بالذهب وتعلق في الكعبة في مكة. لذا، دعيت بالمذهبات أو المعلقات. مع ذلك، ثمة شك كبير إن كانت هذه القصة صحيحة بحذافيرها. الدليل الوحيد المدون من قبل المعلقين في أوائل الإسلام موجود في كتاب " الأغاني " لأبي فرج الأصفهاني، الذي كتب في القرن الثالث الهجري بناءً على مرجع يعتبر صحيحاً أن عمر بن كلثوم ألقى قصيدته بنفسه وكذلك رجال قبيلته في عكاظ في مكة. ليس هناك ما يشير في هذا النص إلى أن القصيدة كتبت وعلقت في الكعبة أو أي مكان آخر. الأرجح أن القصة محاولة من قبل الدارسين في فترة لاحقة لإيجاد معنى للعناوين المبهمة التي أعطيت للقصائد لتنسجم مع الأفكار الإسلامية المعاصرة. أشار السير تشارلز لاأول في دراسته الشاملة حول الموضوع أن فن الكتابة كان قليل الممارسة من قبل العرب الوثنيين، إن لم نقل غير معروفاً. في حين كان التلميح إلى الكتان المصري وحروف الذهب أمراً مشكوكاً فيه، كما أن هذا يفترض وجود فترة كان فيها تفاعل الجزيرة مع مصر أقرب مما هو عليه في أيام ما قبل الإسلام.

اعتبرت المعلقات قصائد كلاسيكية، ورفعت كتابها إلى مرتبة أشهر الشعراء في الجزيرة العربية الجاهلية. يعتقد أن أولها، معلقة أمرؤ القيس، كتبت قرابة العام 545 الميلادي، وآخرها معلقة زهير قرابة العام 605 أي قبل ظهور الدعوة الإسلامية بعشرين سنة.

ثمة خلاف حول التأثير الدقيق للمذهب الجديد على النبض الشعري في الجزيرة. يميل الكتاب الأوربيون إلى الاعتقاد أن ظهور القرآن كبح، إن لم نقل قتل، النمو الطبيعي للشعر في الجزيرة. يقولون إن العقائد الدينية التي يؤمن الناس بها بحماس، تميل إلى ملء حقل الخيال الانفعالي كله لدرجة إقصاء أي منافس آخر، وإن الإسلام كان مهلكاً للشعر العربي، مثلما كانت المسيحية مهلكة للشعر اليوناني وشعر روما. من المؤكد أن شعراء القبائل المغرمين بمتع الصحراء، على الأقل في مدحهم للحب والنبيذ غير القانونيين كانوا خارج منظومة الفكر الإسلامي المتزمت. المدرسة المتحررة، مع ذلك، في التعاليم الإسلامية هذه الأيام لا تقبل قط هذه المقولة. تنكر تماماً أن الرسول أو من تبعه من الخلفاء مباشرة كانوا معادين للشعراء. عرف عن الخليفة أبو بكر والخليفة عمر أنهما كانا يقربان شعراء القبائل منهما، ويقول العلماء إن الشعر في الجزيرة بدأ في الانحدار بعد ذلك بوقت طويل. يقولون إن القصائد التي كتبت في عصر الخلافة الأموية ترقى إلى أفضل ما كتب في الجاهلية. مع ذلك، من الصعب عدم ملاحظة تحلل في بعض سمات الشعر اللاحق، الذي إن لم يكن بسبب التعاليم الإسلامية فإنه على الأقل نتيجة انتصار الإسلام في العالم. طغت الجزيرة العربية بعد بضع سنوات من موت الرسول كطوفان حبيس على الأراضي المجاورة، وترك التدفق شبه الجزيرة مستنزفة من أعظم القبائل حماسة. خرج أفضل ما فيهم خارج حدود الصحراء وأصبح من ساكني المدن في سوريا والعراق وبلاد فارس ومصر. تبدلت أفكارهم القديمة وحلت مكانها أخرى جديدة. لم يعودوا بدواً وتزاوجوا مع الغرباء، فزالت صفات الجزيرة عنهم. قد لا يكون الرأي القائل بأن الشعر الجيد كتب حتى نهاية القرن الثاني الهجري وفق القوانين الفنية حكماً صحيحاً، لكن نكهة الصحراء الخاصة في القصائد القديمة قد فقدت بالتأكيد في الشعر الجديد، تلك الواقعية الرائعة في النظر إلى الأشياء الطبيعية، تلك البساطة في الخطاب والرغبة البريئة الساذجة التي تميز أعمال ما قبل الإسلام عن كل الشعر الآخر، والتي نجدها نحن الأوروبيين ذات قيمة لا تقدر بثمن. هذا ما فقدته الجزيرة العربية.

من ناحية أخرى، من المؤكد أنه لولا الإسلام والقرآن وغزوهم بلاد فارس والإمبراطورية الرومانية، حقيقة تضفي على الأدب العربي أهمية عالمية كبيرة، لما تبقى لدينا أي قطعة صغيرة من شعر ما قبل الإسلام. ينبغي أن لا نغفل أن لا شيء منه بتاتاً، إلا إذا قبلنا قصة المعلقات، قد كتب، بل نقل بالرواية في اللقاءات الصحراوية حيث يتقابل الشعراء وينشدون القصائد. انتقلت القصيدة عبر الأفواه، وعند قدوم قصيدة جديدة تنسى القديمة تدريجياً، لذا كان من غير المحتمل أن يسمع العالم بها. عندما ترسخ الإسلام ولأجيال في البلاد المجاورة، خاصة في بلاد فارس والتخوم الفارسية، حيث ساد طويلاً ذوق في الأدب، وظهر حب استطلاع جديد في ما يتعلق باللغة والمعرفة التقليدية بالجزيرة القديمة. أصبح كل ما يتعلق بلغة القرآن، التي لم يعد الحديث بها صحيحاً من قبل العرب في المهجر، له أهمية دينية وأركيولوجية، وأسست المدارس التي كانت وظيفتها جمع قصاصة كل قصيدة جاهلية والحفاظ عليها، كما فعلت أوروبا لاحقاً بعد 800 سنة للحفاظ على الكلاسيكيات اليونانية واللاتينية. وهكذا حفظت كل قصاصة بشكل دائم وأصبحت موضوع دراسة، وأحياناً دينية، في المدارس والجامعات الإسلامية المختلفة. كان ذلك بالمعلقات وبقي حتى يومنا هذا. كان هذا ربحاً للعالم.

لتنقل من آسيا إلى أوروبا، نجد أن المعلقات السبع قد ترجمت إلى اللاتينية أولاً، ثم من اللاتينية إلى اللغات الغربية الرئيسة خلال القرن الثامن عشر. تضعها مكتبة المتحف البريطاني تحت عناوين عدة بالفرنسية والألمانية والروسية والإنجليزية. أول النسخ الإنجليزية من ترجمة السير ويليام جونز ونشرت عام 1782. لذا ليس بوسع المترجمين الآن الادعاء شرق تقديم عمل غير معروف أمام الدارسين الإنجليز. في الوقت نفسه، يعتقدون أن الحقل الذي اختاروه جديداً على الجمهور من قراء الشعر. ترجمة السير ويليام جونز نثرية وبلغة القرن الثامن عشر، لغة مؤدبة ولاتينية توحي قليلا بعنفوان الأصل العربي. مع ذلك ترجمته غير منسية، ولقد ضمها السيد كلستون في مختارات الأدب العربي عام 1881، ولم تظهر أي ترجمة منافسة منذ ذلك الحين. صحيح أن السير تشارلز الأول Lyall علق عليها بشكل شعري ونشر إحدى المعلقات عام 1885 في مجموعته الممتازة لقصائد مختارة من الشعراء العرب القدماء. لكن المهمة لم تكمل وبقيت المعلقات ككل غريبة علينا في أي شكل من أشكال الشعر الإنجليزي. الترجمة الوحيدة الأخرى كانت ترجمة حرفية كلمة، كلمة في نثر غير مزخرف قام بها الكابتن جونسون في بومباي وطبعت بعد سنوات لفائدة الطلبة الهنود. عمل ممتاز في حد ذاته ولا شيء غير ذلك.

يأمل المترجمون المعاصرون أن ينظر للعمل الذي يقومون به كمحاولة متأخرة أكثر مما هي غير ناضجة ولتملأ فراغاً في الترجمة الأدبية للإنجليزية. كان هدفهم نشر مجلد، ليس للدارسين فقط، بل لكل محبي الشعر الغريب والجميل أيضاً. نشر فيتزيجيرالد مجلداً قبل أربعين سنة أهدى فيه الشعر الإنجليزي " رباعيات الخيام " العظيمة. كانت الصعوبة هائلة، إذ أن نص المعلقات، الغامض في حد ذاته وزاده معلقو القرون الوسطى غموضاً، يُدرس منذ قرون من كل الجوانب باستثناء المعرفة الشخصية لعادات ونمط تفكير البدو. كانوا من سكان المدن، لذا لا عجب إن نقلت الأخطاء التي قاموا بها من عصر إلى آخر كما لو كانت معتقداً. في التعامل مع ذلك، تحلى المترجمون المعاصرون بخبرتهم الطويلة في الصحراء وطرق العيش فيها، ربما تضاف سياسة الصحراء (لأن هذه الآن بعد التطور في الأساس نفس ما كانت عليه أيام الجاهلية)، لذا يعتقدون أن بإمكانهم إلقاء ضوء جديد على بعض الغموض القديم. نشر هذا النص مؤخراً في القاهرة، حيث راجعه بحرصٍ الشيخ العلامة الشنقيطي وحصل على موافقة العلامة الأكبر سماحة الشيخ المفتي محمد عبده. يدين المترجم لهؤلاء العلماء بالعرفان لما قدموه من مساعدة وكذلك للشيخ عبد الرحمن العليش من جامعة الأزهر وإلى عبد الله أفندي الأنصاري في القاهرة. أضيفت بعض القصائد، المختلف في أصالتها، لجدارتها الحقيقية إلى النسخ المتفق عليها، وعلى كل الأحوال ستوجد مدونة في الهوامش في نهاية الكتاب. ليس هناك ما هو أجد من القرن الثاني الهجري.

هناك صعوبة حقيقية أخرى كانت في تبسيط وترتيب القصائد كي تصل بسلاسة ووضوح إلى الأذن الإنجليزية. نقل قصيدة إلى لغة أخرى تعتبر دوماً خيانة. يقول المثل الإيطالي صائباً، ويصدق هذا بشكل خاص حين يتعلق الأمر بالعربية والإنجليزية. الترجمة بجرأة حين تختلف الألسن انتهاك للأصل وكثيراً ما تصبح سخيفة. أسلوب فيتزيجيرالد الحر في الواقع منصفاً، وهو أنموذج بالنسبة للمترجمين الآن. لكن بالحرص على عدم التعدي على النص. كل بيت شعر مستقل كما في الأصل وهناك التزام صارم دوماً بحس البيت. تم تحويل بعض الكلمات هنا وهناك، ونادراً ما أضيفت كلمات ما كان للمعنى أن يتضح دونها. لقد تم هذا في المقاطع المتعلقة بالأحداث المحلية وتطلبت سياسة القبائل شجاعة في التعامل معها، ويأمل المترجمون أن تبرر النتيجة ما قاموا به حتى أصبح بالإمكان قراءة القصائد من قبل الجميع دون الرجوع إلى هوامش التفسير في آخر الكتاب. كما يأملون أن يجد تبريرهم قبولاً لأن ما قدموه يعتبر شعراً حقيقياً، فلقد أضيفت وردة جديدة غريبة ومثيرة للاهتمام إلى كلاسيكياتنا الإنجليزية.

ولم يوصف، في تاريخ العالم الحديث، عرق أو أمة بهذا القدر، أو يؤثر على نحو واسع ودائم بمصائر البشر كما فعل الرعاة قاطني الخيام الذين احتلوا شبه الجزيرة العربية منذ الطوفان تقريباً. نهضوا من سبات الوثنية البدائي المهلك، التي غرقوا فيها طويلاً ، واستبدلوا بحماس رجل واحد الخرافات غير المجدية بالصيغة البسيطة، لكن السامية للاعتقاد بأن " لا إله إلا الله ". في أقل من مئة عام، اجتاح هؤلاء القوم وغزوا جزءاً شاسعاً لما كان يعرف بالعالم الذي حكموه عدة قرون حتى آن دورهم للخضوع لأعراق أكثر قوة. لكن في كل مكان حل فيه المسلمون، ثمة آثار باقية يمكن مشاهدتها، وبقي تأثير السلالات المتنورة للفاتحين العرب الأوائل، الذين خيروا الأمم بين القرآن والسيف المعقوف وحيد الحد، في الفنون الأوروبية والعلوم والآداب حتى يومنا هذا.

يحاط تاريخ العرب المبكر، مثل تاريخ الأمم الأخرى القديمة، بغموض عظيم. يبدو أن بلدهم دعيت " عاربة " منذ العصور القديمة البائدة، اسم ما زالت تحمله. يختلف العلماء بخصوص أصل هذا الاسم. وفق بعضهم، اشتق اسم العرب من " عربة " منطقة في تامانا حيث عاش إسماعيل. يقول آخرون كانت هناك بلدة تحمل الاسم نفسه في جوار مكة. تؤكد التعاليم أن الاسم اشتق من يعرب بن قحطان أو يقطان حفيد Eber ، بينما بعض علماء العبرية يعيدون اسمها إلى جذر عبري، حيث إن كلمة " عرب " في لغتهم تعني " غرب " وفي الكتاب المقدس يسمى الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية eretz arab أو ereb - البلد الغربي.

كان التقسيم البطليموسي للجزيرة العربية إلى " حجري " و "صحراوي" و "سعيدة" غير معروف للعرب أنفسهم. يقسم أفضل الكتاب المستشرقين الجزيرة العربية إلى خمس مناطق أو مملكات هي: اليمن، الحجاز، تهامه، نجد، واليمامة. من بين هذه المنطقة الأولى والثانية يستدعيان اهتماماً خاصاً.

عرفت منطقة اليمن دوماً بخصوبة أراضيها واعتدال مناخها الذي يبدو أنه حقق أحلام الشعراء في وجود ربيع دائم. يقول السير دبليو جونز "جماليات اليمن متفق عليها في كل شهادات الرحالة، بوصفها موجودة في كل كتابات آسيا وفي طبيعة وموقع البلد نفسه، الواقع بين الدرجة الحادية عشر والخامسة عشر في خط العرض الشمالي، تحت سماء صافية ومعرضة لأفضل تأثير للشمس، مقفلة من جهة بالصخور الضخمة والصحارى، ومحمية من الجهة الأخرى ببحر عاصف. وعليه، يبدو أنها محمية بالعناية الإلهية لتكون أكثر المناطق أماناً والأجمل في الشرق. مدنها الرئيسة هي: صنعاء، التي تعتبر عادة عاصمتها، وزبيدة، مدينة تجارية تقع في سهل شاسع قرب بحر عمان، وعدن المحاطة بالبساتين والغابات الجميلة. من الجدير بالذكر أن عدن في اللهجات الشرقية، هي بالضبط كلمة عدن التي نستخدمها لحديقة الجنة. كما أن لها معنيان وفق فرق ضئيل في اللفظ: المعنى الأول "الطين المستقر" والثاني "البهجة والنعومة والسكون". ربما كلمة عدن لها أحد هذه المعاني في النصوص المقدسة، بالرغم من استخدامها لها كاسم علم. كما يمكننا ملاحظة أن " اليمن " نفسها تشتق اسمها من كلمة تعني " الخضرة " و " الهناء " لأنه في هذا المناخ شديد الرطوبة والحرارة، رقة الظل وبرودة الماء أشياء لا يمكن فصلها إلى حد ما عن السعادة. ولعل هذا سبب أن معظم أمم الشرق تتفق في تقليد يخص بقعة بهيجة وضع فيها أول السكان على الأرض قبل سقوطهم. القدماء، الذين أطلقوا اسم السعيدة على هذه البلاد، إما قصدوا ترجمة كلمة "اليمن" أو من المحتمل أنهم لمحوا فقط إلى أشجار التوابل القيمة والنباتات البلسمية التي تنبت فيها، ودون الكلام بشكل شاعري، التي تهب بعبق عطر حقيقي في الجو". من المفترض أن تكون مثل هذه الأرض الساحرة والمناخ مركزاً للشعر الرعوي، وبالفعل، أفضل الشعراء الذين ظهروا في الجزيرة العربية قديماً كانوا من اليمن".

منطقة نجد، كما تسمى إما لأنها تفصل نجد عن تهامة، أو لأنها محاطة بالجبال. مدنها الرئيسة هي: مكة والمدينة وهما الأكثر قدسية عند كل المسلمين. مكة هي القبلة أو المكان الذي يوجه المسلمون إليه وجوههم عند الصلاة. توجد فيها الكعبة المشرفة - بيت الله - حيث يتوجه عدد لا يحصى من الحجاج من كل أنحاء العالم الإسلامي مرة كل سنة، وبئر زمزم المقدس، البئر نفسه الذي يعتقد أن هاجر جلست قربه مع ابنها إسماعيل عندما هبط الملاك لمساعدتها. علاوة، مكة هي مهبط رأس النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كانت المدينة تدعى يثرب قبل هجرة الرسول إليها، وفيها ضريحه الذي يزوره المؤمنون طبعاً.

يقسم المستشرقون سكان الجزيرة العربية إلى طبقتين: العرب القدماء المفقودون المنحدرين من عاد وثمود (الذين دمرهم الله بسبب كفرهم) وآخرون معروفون في التقاليد وعرب هذه الأيام المنحدرين من سلالتين مختلفتين: قحطان، الرابع من سلالة نوح، وعدنان المنحدر من خط مباشر من إسماعيل، ابن إبراهيم وهاجر. يدعى المنحدرين من قحطان " العرب العاربة " وهم العرب القح (يعتبر بعض الكتاب أن العرب القح هم القبائل التائهة الوحيدة)، ومن ينحدر من عدنان، العرب المستعربة، وهم المتجنسون. حكم نسل قحطان عديداً من القبائل العربية قروناً عدة: أسس يعرب، أحد أبنائه، مملكة اليمن، وأسس جرهم، ابن آخر، مملكة الحجاز.

يقول جيبون:" كان الاستقلال الدائم للعرب موضوع مديح بين الغرباء والسكان الأصليين، وحولت فنون الجدل هذا الحدث إلى نبوءة ومعجزة لمصلحة ذرية إسماعيل. بعض الاستثناءات، التي لا يمكن إخفاءها ولا التملص منها، تعيد هذا النسق من المنطق إلى الطيش والمغالاة غير الضرورية: خضعت مملكة اليمن للعباسيين والفرس وسلاطين مصر وتركيا على التوالي. وخضعت مكة والمدينة، المدينتان المقدستان، مراراً إلى مستبد Scythian واحتضنت المنطقة الرومانية من الجزيرة البراري الخاصة التي لابد أن إسماعيل وأبنائه نصبوا فيها خيامهم أمام اخوتهم. مع ذلك، هذه الاستثناءات مؤقتة أو محلية، لأن القسم الأعظم من الأمة فر من نير أقوى المملكات. فشلت جيوش سيسوسترس وسايروس من بومبي وطرجان دوماً في غزو الجزيرة. ربما يمارس حكم الأتراك الآن قليلاً من السلطة، لكن كبرياءهم ينحدر إلى مجرد استعطاف صداقة شعب من الخطر استفزازه ومن غير المجدي مهاجمته. القضايا البديهية لحريتهم مكتوبة على شخصية وبلد العرب. أحس جيرانهم قبل قدوم الرسول بعصور ببسالتهم وشجاعتهم في حرب الدفاع والهجوم. بقيت فضائل الصبر والنشاط للجندي جامدة في عادات ونظام الحياة الرعوية. عهد لنساء القبيلة بالعناية بالخراف والإبل، لكن الشباب المحارب المنضوي تحت راية الأمير كان دوماً على صهوة الجياد وفي مضمار التدريب على رمي السهام والحربة واستخدام السيف المعقوف. الذاكرة الطويلة لاستقلالهم هي أثبت عهد لدوامها، وتشجيع الأجيال المتعاقبة على ثبات توارثها والبقاء على إرثها.

كانت الوثنية دين معظم العرب قبل محمد. اجتاحت ديانة الصائبة- عبادة الشمس والنجوم الثابتة والكواكب- الأمة كلها، رغم وجود عدد معتبر من المسيحيين واليهود والمجوس بينهم. لعل من الطبيعي أن يجذب العرب إلى عبادة النجوم إذ أن حياة الرعي تتطلب مراقبة حركاتها لمعرفة تقلبات الطقس، ومن السهل أن يستمالوا إلى عزو نعمة المطر إلى قوة سماوية تكمن فيها. مجموعة النجوم، التي تقسم الأبراج إلى ثمانية وعشرين قسماً، التي يمر عبر إحداها القمر كل ليلة، كانت تدعى بيوت القمر. كان في كعبة مكة 360 صنماً، واحد لكل يوم في السنة، أهمها اللات والعزة، اللذان اعتادا على استخدامهما في القسم، رغم أن مثل هذا القسم لم يكن ملزماً مثل اللاحق وسيرى أنهم، علاوة على الألوهية المتخيلة، كانوا يؤمنون أيضاً باله عظيم:" أقسم بمن أرسى الجبال الشاهقة، واهب الحياة والموت، أن لا أخونك قط لا قولاً ولا عملاً. " إذا نقض المرء قسمه، سينبح في اليوم نفسه كالكلب ويسقط لحمه عن عظمه.

آمنت بعض القبائل بالمستقبل، فعندما يموت محارب يربط جمله إلى قبره حتى يموت أيضاً وذلك لكي يمتطيه سيده يوم القيامة كما يتطلب مركزه. وآخرون لم يؤمنوا بالخلق الماضي ولا البعث معيدين كل شيء إلى الطبيعة وتحللها إلى الزمن. لكن الأغلبية كانت راضية إذا حصلت على متطلباتها اليومية القليلة، إذ أن العرب الوثنيين لم يكترثوا بمستقبلهم كثيراً، وبالكاد نظروا إلى ما وراء يومهم.

يمكن أن نعرف من شعرهم القديم كثيراً عن خصالهم الحميدة والسيئة. قدروا الكرم كثيراً وازدروا البخل. كانت أكبر مذمة تقولها قبيلة لأخرى إن رجالها لا يحبون العطاء ولا ترفضه نساؤهم. قدر الرجال لسخائهم وشجاعتهم والنساء لاقتصادهن وجمالهن. كثيراً ما يشار في شعرهم المبكر إلى النار التي توقد على قمم التلال طوال الليل لتهدي الغريب إلى مضاربهم لذا سميت " نيران الكرم ".

قال السير جونز في نظام أخلاقهم: "كريمة وسخية كما قد تبدو في عقول بعض شيوخ القبائل المعروفين، لكن فساداً بائساً تاماً أصابها قبل قرن على الأقل من مجيء محمد: كانت الخصال المميزة التي تفاخروا بغرسها وممارستها، ازدراء الثروة وحتى الموت." لكن في الفترة السابقة لقدوم محمد " تحول سخاؤهم إلى بذخ مجنون، وشجاعتهم إلى ضراوة، وصبرهم إلى روح عنيدة لمواجهة المخاطر غير المجدية".

كان النسق العام لحياة ساكني الخيام من الوثنيين العرب شبيهاً ببدو هذه الأيام. متطلبات حياة الرعي قليلة. الجمل بالنسبة للعربي في الصحراء، مثل الرنة للأسكيمو، هدية لا تقدر يثمن من العناية الإلهية. باستطاعة الجمل القوي والصبور أن يحمل حملاً ثقيلاً يبلغ ألف رطل إنجليزي ويقطع رحلة تستغرق عدة أيام دون ماء، في حين امتدح الشعراء الجمل العربي الأخف والنشيط، كونه أسرع من النعامة. كان وبر الجمل، الطويل والناعم الذي يجز سنوياً، ينسج لصنع الخيام والملابس، والحليب، بعد تبريده، شراباً منعشاً مغذياً، أما اللحم فإنه طعامهم الرئيس بالإضافة إلى لحم الخيول في المناسبات. لم يكن حليب الناقة شرابهم الوحيد، يبدو أن العرب القدماء - من سكان الصحراء والحضر، كانوا مدمنين على شرب النبيذ، والشرب حتى الثمالة في الاحتفالات قاعدة وليس استثناء. حتى النساء كن يشربن النبيذ أثناء غياب أزواجهن، وإن لم يكن ذلك بموافقتهم وحضورهم.

ذكر كل شعراء الجاهلية التأثير المنعش للنبيذ وتفاخر بعضهم حتى بمقدرته على شرب كل ما في دكان تاجر الخمور في جلسة واحدة. لذا، لم يكن تحريم محمد، صاحب القوانين العظيمة، بلا سبب، فلقد حرم على المسلمين بصرامة تناول هذا الشراب الصحي والمحفوف بالمخاطر أيضاً، وكل أنواع المشروبات المسكرة الأخرى. مدح كل الكتاب القدماء احترام العربي للمرأة والتزامهم بكلمتهم، وسرعة إدراكهم وقدرتهم على الفهم العميق، وفطنة سكان الصحراء بشكل خاص. من ناحية أخرى، اتصفوا برغبة قوية للحصول على أملاك جيرانهم، وحب لا يقهر لسفك الدماء ونزعتهم للانتقام.
كانت العادات البربرية التي هيمنت على القبائل العربية المستقلة هي نظام الحروب الخاصة، أو الثأر القبلي والعائلي، ما يشبه في أصولها ومدتها وضراوتها تلك التي كانت تحدث بين القبائل الاسكتلندية في الجبال حتى وقت قريب نسبياً. كان مقتل شيخ قبيلة عربية من قبل قبيلة أخرى كافياً لإشعال درب دموية بين القبيلتين وفروع القرابة البعيدة، التي كثيراً ما كانت تدوم لجيل كامل وحتى أطول. كانت القبيلة المنتصرة تختار فرداً من القبيلة الأخرى ليقتل بدم بارد مقابل كل فرد قتل منهم، رداً للاعتبار والشرف. لكن الجشع أحياناً كان يلطف من هذه العادة الوحشية إذ يسمح لأقرب أقرباء القتيل التخلي عن حق ثأره مقابل دية كانت عند مولد الرسول عشرة جمال. سعى الرسول لتخفيف أو تنظيم نزعة الثأر عبر آيات عديدة في القرآن ولاحقاً في السنة التي تلي القرآن ورفع الدية إلى مئة جمل. يقول ريتشاردسون " يبدو أن العلاقات بين المتخاصمين في الشرق مرتبطة بالشرف والتزاوج والأخذ بالثأر. إحدى أكثر أساليب التوبيخ عند العرب هي ترك دم الصديق دون الأخذ بثأره".

لابد أن عادة تخصيص شهور كل سنة دون قتال قد قامت بفحص النزعة الانتقامية عند عرب الجاهلية. الشهر الحادي عشر والثاني عشر والأول والسابع كانت مقدسة. كان الشهر الثاني عشر، دخول الحج إلى مكة ". في هذه الشهور يشعر من يخشى عدوه بالأمان، وعليه، لا يجرؤ رجل إذا قابل من قتل والده أو أخاه على قتله." شابهت هدنة الله والهدنة الملكية في أوروبا العصور الوسطى هذه وإن لم يكن بالممارسة. حافظ محمد على الشهور الحرم، لكنه سمح بمهاجمة أعداء الإسلام طوال أيام السنة.

تعود جذور الممارسة غير الطبيعية لوأد البنات بين البدو عند مولدهن إلى الرغبة في حفظهن بعيداً عن سوء المعاملة التي تتعرض لها النساء المسبيات. كما كانوا يقدموهن قرابين للأصنام، كعادة الأمم المجاورة أيضاً. يقال إن اليونانيين كانوا يقتلون نساءهم في فترة مبكرة. قضى محمد، بطبيعة الحال، على هذه العادة المرعبة.

كانت الكهانة والعرافة من العادات المتبعة عند عرب الجاهلية. استخدمت السهام، دون رأٍس أو ريش في الكهانة، وكانت تحفظ عادة في المعابد المخصصة إلى الأصنام المحلية والمفضلة.

كان في يد الصنم هبل في مكة، الذي حطمه الرسول بنفسه عند دخول مكة وتطهير الكعبة من الأصنام سبعة سهام، وإن جرت العادة على استخدام ثلاثة أسهم، كتب على واحد " أعطني يا إلهي أمراً!" وعلى آخر " امنعني يا إلهي!" والثالث دون كتابة. إذا سحب الثالث، يعاد خلط الثلاثة في كيس حتى يتم إخراج الأول أو الثاني. لا يؤخذ رأي دون استشارة هذه السهام الثلاثة أو طير طائر، إذا طار إلى اليمين، فإن هذا فأل حسن، وإذا طار إلى اليسار عندها ينبغي التخلي عن الرحلة.

كانت اللهجات الرئيسة التي تكلمتها القبائل العربية لهجة حمير (أو اليمين) ولهجة قريش. يبدو أن لهجة حمير كانت قليلة الصقل، بينما لهجة قريش نقية أو صافية واستخدمت في القرآن، كانت " اللغة العربية الواضحة والسهلة وأصبحت في النهاية لغة كل الجزيرة العربية. كان أهل قريش أكثر عرب الغرب علماً ومعرفة: قاموا بحملات تجارية مكثفة مع كل الدول المجاورة، وكانوا قبل قدوم محمد بمدة طويلة خدام الكعبة، التي أمها الحجاج مرة كل سنة من كل مناطق الجزيرة ومن كل بلد سادت فيه ديانة الصائبة، مما جعل معرفتهم أمراً طبيعياً نتيجة احتكاكهم مع الغرباء من أفضل الطبقات.

واظب العرب على صقل الشعر والبيان، خاصة الشعر. يقول البرفسور بالمر " كان الشعر بالنسبة لهم ليس مجرد رغبة بل ضرورة، لأنه كما يقول قولهم المأثور " الشعر ديوان العرب ". كما حفظت القصائد الغنائية ذاكرة حروب الحدود الاسكتلندية، كان نشيد الرعاة في مواصلة تاريخ وعادات القبائل المختلفة في شبه الجزيرة العربية. تركيب لغتهم الخاص وغناء مفرداتها وفرا الإمكانيات المرموقة للتعبير عن الأفكار بشكل موزون. وعليه، بلغ فن المناظرة، حيث يتبارى شاعران غريمان لإبراز تفوق شعرهما، إلى أعلى مراتب الكمال عندهم".

يدين العرب إلى الشعر في حفظ لغتهم. اهتم العرب القدامى كثيراً بنسب عائلاتهم وحيث إن هذا كان موضوع اختلاف كبير بينهم، فإن قصائدهم حفظت سمو نسلهم، وحقوق القبائل وذاكرة أحداث عظيمة. كانت مناسبات الفرح الرئيسة بين قبائل الصحراء هي: مولد ولد، أو مهر من سلالة كريمة، وبروز شاعر عظيم يستطيع أن يصون حقوقهم ويخلد ذكرهم.

هذه باختصار صفات هذا الشعب العريق، الذي انتشر تحت راية الإسلام مثل طوفان في آسيا: " مبتهجين بالبلاغة وأعمال السخاء والإنجازات العسكرية، جعلوا الأرض كلها بدم أعدائهم حمراء كالنبيذ، والهواء برماحهم الطويلة غابة قصب." وأسسوا في سنوات قليلة إمبراطورية أكبر من إمبراطوريات الرومان".

وعن المعلقات قال جونز: في نهاية القرن السادس تقريباً - أهم فترة في تاريخ العرب القديم - بلغت اللغة العربية أوج كمالها، وذلك بفضل المباريات الشعرية التي كانت تجري سنوياً في عكاظ خلال شهر الحج. يقول السير جونز "حيث إن لكل قبيلة عديد من المفردات الخاصة بها، استفاد الشعراء منها كلها في القوافي أو لجمالها الفريد. ولما أصبحت للقصائد شعبية بين الناس اندمجت هذه المفردات في اللغة كلها مثل عدد من الجداول الصغيرة التي تجتمع في قناة واحدة، لتكون نهراً غزيراً يصب بسرعة في البحر." تنافست القبائل في الجزيرة بإرسال أفضل شعرائها لتمثيلها في سوق عكاظ. بعد أن يلقي الشعراء قصائدهم - قليلة المواضيع: معظمها يبدأ بذكر أطلال الحبيبة ومحاسنها ثم بشكل مفاجىء إلى وصف جواد الشاعر أو ناقته، أو مديح قبيلته وشجاعته في المعارك، عندها يحكم على القصائد بحيادية. ويكتب أفضلها لاحقاً على الحرير بأحرف ذهبية وتعلق في الكعبة، لذا دعيت بالمعلقات أو المذهبات وليس الذهبيات كما يذكر عادة. تحفظ نسخ من هذه المعلقات السبع في عديد من المكتبات الأوروبية وهي: معلقات امرؤ القيس، طرفة، زهير، لبيد، عنترة، عمرو والحارث، كما يوجد في مكتبة بودلين في أكسفورد قرابة أربعين قصيدة أخرى من اللاتي علقن في الكعبة.

يعود الفضل في ترجمة المعلقات السبع أول مرة إلى لغة أوروبية إلى السير ويليام جونز، أول من نبه الدارسين في أوروبا إلى الكنوز الغنية الموجودة في الأدب الهندوسي القديم. نشرت الترجمة الإنجليزية العام 1782 مع شرح ونص أصيل مكتوب بحروف رومانية. لم تكن هذه أول ترجمة فقط، بل الوحيدة الكاملة بالإنجليزية لهذه القصائد المرموقة، ومن الغريب أنه لم تجر محاولة من قبل الدارسين الإنجليز المعاصرين للعربية لتقديم ترجمة دقيقة لغير المطلعين من أبناء أمتهم من ربما التي قام بها السير جونز آنذاك.

كان وزن الشعر العربي المستخدم في الأصل هو الرجز وتنتهي القصائد دوماً بالقافية نفسها. كان هذا وزن القصائد البدائية لراكبي الجمال واستخدمت بشكل جيد في أغراض القصائد المرتجلة للتعبير عن الاستخفاف والهجاء أو المديح. المعلقات مكتوبة بأبيات تبلغ ضعف طول بيت الرجز ومكونة من شطرين حيث لكل الأبيات القافية نفسها، وكلها تدعى " قصيدة ". يعتقد أن الكلمة اشتقت من " قصد " أي النية أو الهدف: نظمت هذه القصائد بهدف التفوق في المباريات الشعرية. هذا التفسير يرفض عادة من عادة البرفسور أهلفارت الذي شرح معنى آخر لكلمة قصيدة " تقسيم البيت إلى شطرين " وكل بيت أو قصيدة مقسمة إلى شطرين. يوجد في العروض العربي ستة عشر بحراً، استخدم أربعة منها في المعلقات، لكن حركة القصيدة واحدة فيها جميعاً.

كان شعراء المعلقات عباقرة شعر، بالرغم من عدم حصولهم على ثقافة أدبية، وكان بالكاد أي منهم يحسن الكتابة والقراءة. كانوا شعراء بالفطرة، حل مكان جهلهم بالحروف حس إيقاعي وملكة الوضوح والتعبير المفعم بالحيوية عبر لغتهم الثرية الغزيرة عن ما شعروا وفكروا به - أطفال صحراء مندفعين تتحلى رغبتهم للتمييز بين ما هو صالح وطالح بمجال حرية رحب، ويملكون قدرة على الحب العميق والكره المرير، ولقد وجدت هذه المشاعر القوية منفذاً لها في تدفق الشعر.

مر قرن بعد ظهور الإسلام قبل أن تكتب أخيراً قطع الشعر المبكر وحكايات الشعراء المعروفين في شبه الجزيرة - خاصة شعراء اليمن- بعد أن نقلت شفوياً من جيل إلى آخر. لا يمكن التأكد من مدى صدق التقاليد المتعلقة بشعراء الجاهلية، لكن مهمة التقصي عن أصالة ما يسمى بالشعر العربي القديم الذي كرس لفيف من الدارسين الألمان المطلعين أنفسهم له وأثمر نتائج حاسمة نوعاً ما، ستناقش في القسم الثاني من هذه المقدمة. جمع ما يلي والمتعلق بشعراء المعلقات من أفضل كتاب الشرق.

وقيل في الترجمة عموماً إن " جماليات وصور قطعة السجاد تظهر في وجهها الخلفي بشكل أعمق بالرغم من الخيوط التي تجعلها غير واضحة." تصدق هذه الملاحظة بشكل خاص في الترجمات الإنجليزية للشعر العربي المبكر، الذي قيل إن غموضه شيء جوهري. يقول بيرتون " اللغة مثل الزوجة المخلصة، مطيعة عاقلة وتنجب النسل، كما أنها متحررة من حقيبة الجسيمات التي تعيق ألسنتنا المعاصرة وتترك إبهاماً غامضاً في علاقة كلمة بأخرى، ما يساعد فعلياً وجدان القصيدة وليس حسها العقلي. عندما تكون للأسماء والأفعال معان عديدة مختلفة، فإن الفكرة الجوهرية أو العامة تطرح نفسها. تستخدم المترادفات الثرية المختلفة التي تبين أدق ظلال المعنى، بفنية: تنتشر الآن لتدهشنا بتفوقها، ولتكون، كما الحال، نجمة ترى الأقمار المعتمة تدور حولها." لكن الجماليات المدهشة حتى في الترجمة الإنجليزية للمعلقات لا تفقد تماماً.

معلقة امرؤ القيس أكثر المعلقات السبع حيوية وحتى درامية: تقدم سلسلة من مشاهد حياة الصحراء مصورة بدقة، ومع ذلك دون أي محاولة لرسم التفاصيل: رسومات سريعة مثل الرسوم المتحركة لفنان عظيم، تعج بالألوان مثل لوحات منجزة. نرى الشاعر في عشاء فوق التلال الرملية مع الفتيات اللاتي فاجئهن في حمامهن البدائي، بينما كلهم يملئون حقيبة جلدية بالنبيذ السخي، نتصور أن بإمكاننا سماع ضحكاتهن المرحة على دعابات الأمير الشاب الطائش. نتبع الشاب الجريء في منتصف الليل متلمساً طريقه - ليس دون قلب نابض - بين خيام قبيلة معادية، مسكن الفتاة التي من أجلها حمل روحه على راحته: نرى الفتاة المنتظرة (من الواضح أن الزيارة معدة سلفاً) تختلس النظر من فتحة باب خيمتها: نراهما ينسلان بهدوء معاً، بينما تقوم الفتاة بمسح آثار خطواتهما فوق الرمال بثوبها. رحلة غريبة عبر الصحراء في ليلة مظلمة، حين تبدو عباءة العتمة دثاراً للمسافر الوحيد، الذي يثب في الحال على عظام الجمال النحيلة ويبيض من يمتطيها فوق الرمال بفعل شمس أوج الظهيرة. مطاردة بقر بري مثيرة- احتفال بدائي- عاصفة رعدية.

طرفة الوحيد بين الشعراء السبعة الذي قارن الجمال بالسفن. في مطلع قصيدته يشبه الجمال التي تحمل حبيبته بالسفن المبحرة من عدولية:
عدولية أو من سفين ابن يامن. وفي البيت 29 يقول:
وأتلع نهاض إذا صعدت به- كسكان بوصي بدجلة مصعد
يكرس ثلث المعلقة تقريباً إلى ما دعاه السير جونز " وصف طويل ومبهج " لجمل الشاعر، مع ذلك ينبغي أن نفترض أن التفاصيل الدقيقة للنقاط المتعلقة بحيوان لا غنى عنه في حياة الصحراء في الجزيرة العربية قد سرت مواطني الشاعر كثيراً ويعوض القارىء على صبره بالتشبيه الجميل الذي يستخلصه الشاعر:
فذالت كما ذالت وليدة مجلسٍ- ترى ربها أذيال سحلٍ ممددِ
تشبيه يصور صورة تسر القارىء. بعد إطراء ناقته يسترسل الشاعر في ذكر شجاعته في المعركة، ثم يلمح إلى نمط حياته المرحة بصحبة شباب لاهين مثله والمغنيات الجميلات ويقول إن الحياة قصيرة لذا دعني استمتع باللحظات العابرة ودعني أشرب اليوم وليلكن غداً ما يكون. يذكر ثانية أداءه في المعارك مسلحاً بسيف معقوف ليس مجرد منجل تشذيب، بل الأخ الثقة، ويختتم بملاحظة حكيمة قال الرسول إنها نبوءة برسالته العظيمة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً- ويأتيك بالأخبار من لم تزود
المجاز الجريء ما يميز معلقة زهير - وهو أن الحرب وحش مرعب وأم توأم المجاعة والدمار - مجاز مدهش وملائم: ولا يقل عنه ربما وصف الشاعر الأطراف المتنازعة في حرب داحس والغبراء الشرسة والطويلة، بالإبل المساقة إلى المرعى لترعى كلأً مضر بالصحة وتشرب من برك ماءٍ تعافها النفس. تعتبر الأمثال الموجودة في معظم المعلقة عن مشاعر ينبغي أن تراود كل العقول المفكرة، وأنضجها الوقت وتجربة الحياة.

افتتاحية معلقة لبيد الرثائية الغنائية بلمسات طبيعتها وزخرفها المثير للمشاعر تصل، حتى في الترجمة الإنجليزية، إلى كل قلب. ست من المعلقات السبع تبدأ بذكر الأطلال التقليدي، لكن معلقة لبيد تفوقها كلها في هذا بسبب جمال الخيال ورقة التعبير، وتتناقض مع قصائد الأوروبيين المعاصرة التي تهدف إلى الإبهار بتعارض المفردات وفطنة البيان أكثر من الوصول إلى القلب عبر أفكار القلب المعبر عنها بلغة طبيعية. يقارن الشاعر جمله بحمار يحث رفيقه بالهبوط عن التلال بعد أن انتهى الشتاء، وببقرة شموس يطاردها الصيادون. ومثل الشاعر الاسكتلندي الذي وسع قلبه الكبير وتعاطف مع كل حاجيات الطبيعة - زهرة مسحوقة - فأر حقل ميت - عصافير صغيرة في ليلة شتائية - ومثل كل الشعراء الحقيقيين كان شعراء الجاهلية العرب يشعرون بالرأفة حيال البقرة الشموس التي فقدت صغارها فقضت الليل في عذاب تهيم قلقة جيئة وذهاباً بينما يهطل المطر بغزارة على ظهرها. ليس هناك من مشاعر إنسانية في المعلقات الأخرى عبر عنها كما في هذه القصيدة، اللهم عنترة الذي بدا أنه يشفق على جواده الجريح الذي كما يقول عاتبه بنظراته وكان قد تكلم لو استطاع. توجد رسومات ذكية لحياة العرب في هذه التحفة من الشعر القديم: خطوط عريضة لكنها محددة بجرأة ووضوح، يترك القارىء ليملأها في مخيلته بالتفاصيل. نرى الشاعر رئيساً بين زملائه المرحين في حانة يشربون النبيذ الفاخر المخزن في قرب جلدية، بينما أصابع عازفة العود الرشيقة نلمس أوتار آلتها بمهارة. نراه يشرف على الألعاب بسهام دون رؤوس ولا ريش ويضع الإبل جوائز بكرم. نراه يستيقظ مبكراً في الصباح ليمتطي جواده ويدافع عن القبيلة ضد الغزاة وأمام باب خيمته يحتشد الفقراء والمحتاجين - الأرامل واليتامى - كلهم يتقاسمون عظيم سخائه.

معلقة عنترة خليط لا فت للنظر من التعبير الرعوي اللطيف ولحظات القتل والثأر الشرسة. في البيات ( 14-19) يقارن الشاعر فاه حبيبته بروضة عطرة:
أو روضة أنفاً تضمن بنتها- غيث قليل الدمن ليس بمعلم
تجعل هذه القصيدة ربما أفضل من أي شيء آخر في المعلقات الأخرى. نتزود بلمحات مثيرة للاهتمام عن حياة العرب في هذه الفسيفساء من الأريج الشعري: هدم مضارب العائلة في الصحراء ليلاً- الإبل محملة وملجمة تأكل الحبوب، نعام صغير يحوم حول طائر- ذكر مثل قطيع إبل سوداء يمنية تجتمع عند نداء حاذيها: الشاعر البطل يحتسي النبيذ العتيق الذي اشتراه بقطع نقدية لامعة - وبين فينة وأخرى يملأ كأس الكريستال من الجرة جيدة الإقفال: مقابلة مسروقة مع فتاة جميلة من قبيلة معادية: معارك شرسة طويلة مع أشهر المحاربين.

معلقة عمرو بن كلثوم الوحيدة التي لا تبدأ بمخاطبة حبيبة حقيقية أو متخيلة. يخاطب عمرو بصوت مرتفع جرعة الصباح من نبيذ في كأس كبير، ويذهب لإطراء التأثير السحري للشراب السخي وجعله البخيل ينسى خزانة ذهبه بعض الوقت، وتحويل انتباه العاشق عن رغبته. مع ذلك، مغادرة الحبيبة لا مناص من ذكره ويوصف سحر جمالها بدقة متناهية في البيت العشرين من القصيدة. ما تبقى من المعلقة تفاخر متغطرس لبني تغلب - عظمتهم وقوتهم - غنى ممتلكاتهم وعظمة أعمالهم وجمال نسائهم واحترام المحاربين الشجعان لهم.

في شكل رزين ثابت يناسب سنوات عمره المهيبة، جاءت معلقة الحارث، رداً على الخطابة الرنانة المفرطة لخصمه المتفاخر. مع ذلك، لا يتردد في أن ينسب إلى قبيلته كل الفضائل التي ينبغي أن يتصف بها العرق النبيل. يقول السير ويليام موير " مدى الفكر في الشعر العربي القديم محدود. توصف التجارب القديمة ومشاعر اللحظة بصور مشتقة من الحياة الرعوية. لا تفكير بالمستقبل، وليست هناك محاولة لاستخلاص دروس من الماضي. يعيش الشاعر العربي في الحاضر كطفل.. تصور الحياة الرعوية بصور بسيطة لمنظر ريفي بكر. الموكب الحامل كل حاجيات القبيلة الدنيوية - العجائز والفتيات المحملات في هوادج على ظهور الجمال - يمر في الصحراء بشجيرات شديدة القدرة على التحمل بزخارفه القليلة المتفرقة، وبعد مسيرة متعبة يخيم الموكب، ربما في وادٍ حيث الينابيع تسيل من على تل مجاور. الخيام المجتمعة تجعل الخلفية سوداء، في حين تحيط خضرة وأيكة نخيل بالنافورة المستحبة، التي تقف في تناقض بهيج مع المنظر البري الكئيب. تتقدم الفتيات بأباريقهن إلى النبع وتعود الإبل والماعز من المرعى مليئة الضرع بالحليب.

تعيش الحياة العربية حقاً حياتها الخاصة. ليست هناك حضارة متقدمة لإعادة صياغة الصورة المحيطة وفقها. أقرب ما في لغتنا إلى الشعر العربي القديم هو كتاب أيوب، بتصويره الأرانب الأوروبية والماعز والحمير البرية، وحياة الصحراء ما زالت هكذا في أيامنا هذه. حافظ العربي، المعزول عن العالم بالبراري وعادات الرحل، على بساطته دون تغيير ولم يتأثر إلا قليلاً بترف وحضارة الأمم المجاورة كما تأثر بسياستهم. تلامس القصائد الكلاسيكية الحياة المدنية، لكن هنا نضارة وحرية الصحراء القاسية لا يمكن بلوغها بأكثر أساليب العالم المشغول قوة. لا يسمع هنا ضجيج المدينة، ولا حتى همهمة الكوخ الريفي. لا يعي الشاعر وجودها.

وعن أصالة الشعر العربي القديم قال جونز: مثل إلياذة هوميروس، التي تكونت من الأغاني الملحمية الزاخرة بالانفعال العاطفي، ليست المعلقات بنى منتظمة بل قطعاً مسرفة في التعبير العاطفي جمعت معاً. لكن هناك ثمة فرق، كما لاحظ فون هامر بوربجستال " أن كتاب القصائد العربية القديمة الفائزة لم ينافسوا ولم يمزق ذئب عربي المعلقات كما حدث والإلياذة وألقى بالقطع إلى مؤلفين متعددين." لم يعد وجود لهذا الفرق، أو في حين أن أصالة المعلقات ما زالت قائمة، إلا أن عبقرية بعض الأبيات ما زال موضع تساؤل من قبل الدارسين الألمان. إذا اعتبرنا قصائد عرب ما قبل الإسلام مثل القصائد الغنائية للتخوم الاسكتلندية، أي حفظت عبر عديد من الأجيال شفوياً فقط (لأن الكتابة لم تكن معروفة بين العرب إلا بشكل ضئيل) فإن وجود التحريف في الشعر العربي القديم أكثر من محتمل. حين بدأ جامعو الشعر في نهاية القرن السابع التعليق على قصائد العرب القديمة كتابة، لم يجدوا إلا قطعاً - لكن عديدة - عند القبائل في الصحراء، وكانت معرضة للأخطاء نفسها وحتى الخداع، كما كان الحال وآثارنا الأدبية عندما ذهب الدارسون إلى المناطق الريفية لجمع القطع التقليدية من القصائد الغنائية من شفاه كبار السن من السكان، إذ تداخلت القصائد، وخدع الشعراء الذين ملكوا موهبة خاصة قاتلة في تقليد الشكل الخارجي ولغة قصائد أغاني التخوم، جامعي القصائد الأسطورية المتحمسين. وبالمثل يبدو جامعو الشعر العربي المبكر أحياناً أنهم ناسخون للرواة الخادعين أو من يلقون القصائد، الذين عديد منهم ليسوا شعراء ماكرين، بل يمكن أن ينظموا قصائد بشكل مرتجل بالأسلوب والمشاعر نفسها الكائنة في الشعر القديم الأصيل مما يجعل الكشف عنها مستحيلاً. وليس هؤلاء فوق الشبهات في وضع بيت أو اثنين من نظمهم هنا وهناك لتوضيح قطعة مبهمة.

قام البرفسور أهلفارد، هر فون كريمر، ومستشرقون ألمان آخرون في السنوات الأخيرة بدراسة الشعر العربي القديم دراسة نقدية بهدف فصل المنحول منه عن الأصلي. يعزز الانتقال المفاجىء من موضوع إلى آخر، الشائع في القصائد الطويلة، أكثر من فرص الانتحال. معرفة الأبيات المنتحلة هذه ليست بالمهمة السهلة، وكثيراً ما يمكن للطالب أن يستخلص الأخطاء وعدم الدقة فقط عندما يجد أن قوانين بناء القصيدة قد انتهت. على سبيل المثال، شطري البيت الأول فقط يجب أن تكون بقافية واحدة، وإذا وجد بيتين أو أكثر في القصيدة نفسها يجب أن تكون منتحلة أو افتتاحية قصيدة أخرى. مرة أخرى، ثمة قانون باستثناءات قليلة فقط (لأن هناك دوماً أسباباً بديهية) أن تبدأ القصيدة بذكر الأطلال ولا تكتمل القصيدة دون ذلك إذا لم تعتبر منتحلة. لكن أخطاء مثل هذا النوع بديهية لكل طالب ولا تتطلب فطنة نقدية عظيمة لاكتشافها.

المهمة الأصعب هي معرفة وفصل الأبيات التي نظمت وأدخلت للقصيدة من قبل الرواة ببراعة، أو حتى من طرف الجامعين بهدف ربط القطع معاً. يصعب تقصي مثل هذا الموضوع دون تحيز. إذا كان عند الطالب فكرة مسبقة عما يمكن للعرب القدامى أن يقولون عن أشياء معينة ووجد في القصيدة ما يناقض نظريته، فإنه يميل لاعتبارها منتحلة، وهكذا، عن وعي أو لاوعي، يصبح الناقد في عملية التقصي عرضة لتأسيس نظرية أكثر مما يوضح الحقيقة. لكن المستشرقين المطلعين العاملين على تمحيص الشعر العربي القديم يحثون بالتأكيد بفضل هذه الدوافع الضيقة، وأهمية العمل الذي يقومون به يمكن بصعوبة أن تقدر كثيراً، حيث دون التأكد من أصالة بقايا الشعر العربي لفترة ما قبل الإسلام، فإن المعرفة الدقيقة للعرب القدامى أنفسهم مستحيلة. مع ذلك، بعض النتائج التي استخلصوها موضوع تساؤل من دارسين آخرين.

قيل إن الجامعين والنقاد اهتدوا بمشاعر دينية قوية لتخليص الشعر المبكر من كل التلميحات إلى العادات الوثنية والألوهية الزائفة، وإن كان هناك معلقتين من السبع تذكر فيهما الخرافات الوثنية. لبيد في البيت 76 من معلقته يلمح إلى موت الجمل عند قبر صاحبه، وعنترة في البيت 70 يذكر الخرافة الوثنية المتعلقة بالتطير، اعتقاد منعه القرآن بصرامة. توجد عادات وثنية قديمة وألوهية الأصنام في قصة عنترة بكثرة، لكن ربما تبخرت المشاعر الدينية القوية بتقديم الإسلام لعلم الدنس. مع ذلك، إذا كان الجامعون قد تشربوا الروح الدينية المتقدة ليتخلصوا من التلميح للأصنام في الشعر المبكر، فيبدو من الغريب أنهم سمحوا بعديد من التلميحات إلى شرب الخمر: إذا أن كثرة ذكر شرب الخمور في شعر الشرق ستفسر بمعناها الغامض. لكن النقاد الورعين الذين خلصوا الشعر من كل ذكرٍ للخرافات الوثنية، عوضوا ذلك، كما يقال، بمشاعر تتمشى والقصيدة الإسلامية. من المعروف جيداً أن هذا تم وكتاب " ألف ليلة وليلة " في القصص المشتقة من المصادر الهندية، لكن ألا يعني هذا أنهم تبعوا ذلك في الشعر المحلي للعرب القدامى وعاملوه بالطريقة نفسها. يأخذ البرفسور فون كريمر استثناءات من الأبيات 27 و28 من معلقة زهير، التي يذكر فيها بالضبط الله الواحد وكتاب الموتى، ويعتبرها غريبة على روح الشعر القديم. الاعتراض نفسه، إن كان منصفاً، يصدق أيضاً في الأبيات 85 و86 من معلقة لبيد، حيث يتم التعرف على شرائع العناية الإلهية، والبيت 25 ممن معلقة امرؤ القيس والبيت 81 من معلقة طرفة حيث يذكر الخالق بصريح العبارة. لكن بالإضافة إلى العدد الوافر من الآلهة الزائفة - التي لم يبجلها العرب كثيراً في الفترة السابقة تماماً لبدء الدعوة العظيمة - وجد بين بعض القبائل في الجزيرة اعتقاد بالله. بالفعل كما لاحظ السيد لاأول بحق " دون الافتراض أن مثل هذا الدين كان معروفاً عند الناس، كان جزء كبير من القرآن مستحيلاً: أن الرسالة موجهة لمن ربط الآلهة بالله وليس لمن ينكره." وإعادتهم إلى عبادة الله وحده، كان غاية الرسول الكبرى.

أن بقايا الشعر العربي القديم تم التلاعب به - بالحذف أو الانتحال - من قبل علماء النحو والجامعين والنقاد وآخرين ثبت الآن أنه في غاية الوضوح، هذه هي الحالة مع شعرنا التقليدي المبكر والطبيعة الإنسانية في الجوهر واحدة في البصرة والكوفة كما هي في لندن وأدنبرة. لكن من المرضي معرفة من رجل دارس مرجع مطلع حاد الذهن مثابر مثل البرفسور أهلفاردت أن كثيراً مما يعرف بالشعر العربي القديم قد قرر أنه منتحل، ودون قليل من الشك، يبقى قدر كبير منه النسل الأصيل للعبقرية الأمية واللامعة المتقدة لشعراء ما قبل الإسلام.

وعن الأدب العربي في عهد الخلافة قال جونز أيضاَ: إبان معظم النصف الأول من القرن الأول الهجري، انهمك من تبع الرسول في توسيع رقعة سلطانهم فلم يلتفتوا إلى العلم والأدب. قرر علماء النحو في البصرة والكوفة قواعد اللغة العربية القحة وجمعوا من أجل هذه الغاية قطعاً من شعر الجاهلية الذي ما زال في صدور الرجال في اليمن والحجاز، لكن في عهد الأمويين، اقتصر الأدب العربي على شرح القرآن والشعر في اللغة الأم. يقول أبو الفرج " لكن عندما منح الله عائلة هاشم (بيت عباس) الحكم وسلم لهم مقاليد البلاد عادت القلوب من تراخيها واستيقظت العقول من سباتها." بدأ في عهد المنصور، ثاني الخلفاء العباسيين، دراسة علم المحرمات وقلد من خلفه حماسه لتقدم المعرفة. وبالفعل، يقال عادة إن الأدب العربي نهض ونما وتحلل إبان حكم هذه السلالة التي حكمت من العام 749 ميلادية وحتى العام 1258. أصبحت كنوز الأدب الفارسي التي لم يلحق بها الدمار على أيدي المسلمين الأوائل الفاتحين أكثر قيمة مما هي مزدرية.

ترجمت في عهد المنصور (775-754 ميلادية) نسخة البهلوي من الحكايات الهندية الشهيرة لفيشنوسارمان إلى العربية تحت عنوان "كليلة ودمنة"، عمل ترجم إلى عديد من اللغات أكثر من أي كتاب آخر باستثناء الإنجيل. في القرن نفسه كتب الأصمعي قصة عنترة الفروسية الرومانسية. في بداية القرن التاسع أسس المأمون، سابع الخلفاء العباسيين، المعاهد في بغداد والبصرة والكوفة وبخارى وطلب ترجمة كتابات أرسطو، وأبوقراط، وجالين، وديوسكوريديس، وثيوفراستوس، وأكليد، وارخميدس وبيتولمي. قال أبو الفرج " لقد اختار الله أكثر وأفضل عباده فائدة، من كرسوا حياتهم لتطوير ملكات عقولهم? مدرسو الحكمة هم الأنوار الحقيقية ومشرعو العالم الذين لولا مساعدتهم لكان العالم قد غاص في الجهل والبربرية." في هذه الفترة أقيمت في بغداد ودمشق المراصد لدراسة الفلك. وشيد وزير كريم على نفقته كلية عظيمة في بغداد بتكلفة 200000 قطعة ذهبية، وخصص لها مبلغ 15000 دينار سنوياً. في هذه المؤسسة درس آلاف من الطلاب من أبناء النبلاء إلى أبناء الصناع كل علوم العصر. ودفعت للأساتذة رواتب مجزية وخصص للطلاب المتفوقين عطايا سخية.

من سمرقند إلى بخارى، من فاس إلى قرطبة، كانت الإمبراطورية الإسلامية كلها تصدح بالغناء، والحياة الثقافية صحية ومتقدة. أخذ الشعر الذي فقد نضارة الصحراء مداً أوسع ولم يعد يقتصر على اللحظة، بل أصبح تأملياً وبالتالي فلسفياً. زين بلاط الخلفاء في بغداد بأقمار ساطعة من رجالات المعرفة والعبقرية جذبوا إلى هناك من كل أنحاء المعمورة.

لم يكن هؤلاء الأمراء مجرد أسياد أحرار متنورين في العلم والأدب: كان عديد منهم شعراء بعبقرية معتبرة وبارعين في النظريات الموسيقية والعزف. أحفاد المتعصبين الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية لم يدمروا الأدب الفارسي القديم أثناء عصور الظلام في التاريخ الأوروبي، بل أصبحوا متحمسين مثقفين محافظين على ما تبقى من المعرفة القديمة. في الوقت الذي كان ثمن نسخة من الإنجيل يعادل ثمن تعمير كنيسة عادية، وفي الوقت الذي كان فيه عديد من الرهبان المسيحيين في أوروبا يتلعثمون في الصلوات التي ليس بوسعهم فهمها، كانت مكتبة ملوك إسبانيا من المسلمين تحتوي على 600000 مجلد وكانت هناك 70 مكتبة في مدن الأندلس، بينما مكتبة سلاطين مصر كانت تتألف من 100000 مخطوط مكتوبة بخط جميل ومجلدة بشكل أنيق، وتعار بالمجان للدارسين في القاهرة.

علوم الفلك والكيمياء الزائفة التي كرس العرب (وقلدهم الأوروبيون الحالمون) أنفسهم بحماس متقد لها أملاً في قراءة المستقبل عبر حركة الكواكب في الأولى، ولاكتشاف فن تحويل المعادن إلى ذهب خالص وتطويل الحياة إلى ما لا نهاية في الثانية. تحولت هذه أخيراً إلى علوم الفلك والكيمياء الحقيقيين.

لا يدين الأوروبيون إلى سلالة المسلمين المتنورين الذين استقروا في إسبانيا في القرن الثامن في بعض الفنون المفيدة والمعدات المستخدمة في الحياة اليومية فقط، بل من بين أخريات لفن صنع الورق من القطن الذي أدى إلى فن الطباعة العملي - وتداول الكتب بشكل زهيد الثمن. وتم تقديم النظام العشري العربي في الأعداد ( الذي يدين العرب أنفسهم للهنود به ) إلى أوروبا بواسطة جيلبرت من أولريلاك، وبعد ذلك بواسطة البابا سلفستر الثاني الذي درس في الجامعة الإسلامية في قرطبة في القرن العاشر. علاوة عبر النسخ العربية في إسبانيا انتبه الدارسون أول مرة إلى كتابات أرسطو. غير أن التأثير العربي في الآداب الأوروبية كان جلياً. يدين شعراء " التروفيري في شمال فرنسا وأخوتهم التروبادور في المناطق المشمسة الذين أشعلت عبقريتهم شعلة الأدب الإيطالي، كثيراً إلى قصص الترحال وشعر الشرق اللامع لأنهما شكلت أرضية عملهم الرائع. باختصار، تخللت القصص المدهشة العربية الأدب الأوروبي في فترة مبكرة، وحلم الكاهن الذي قرأ على رواد كنيسته القصص الأخلاقية Gesta Romanorum قليلاً بإعادة الاختراعات الحاذقة للمسلمين المكروهين ونسل عرق إبراهيم المحتقرين، لأن عديد من قصص هذه المجموعة التي تعود إلى العصور الوسطى مقتبسة من مصادر عربية وتلمودية.

من المفيد في رسم صورة الأدب العربي أن نخلص إلى أنه " بسقوط الخلافة العباسية عام 1258 ميلادية 656 هجرية، انحدر الأدب في الشرق سريعاً، وإن كان ما يزال يلاقي الرعاية مع ذلك في عهد سلاطين مصر لكن بنجاح لا يقدم ولا يؤخر، وبظهور الأتراك قضي فعلياً على المعرفة الشرقية. لكن من الخطأ القول إن الأتراك قد قضوا على الأدب العربي ( أو أصابته آفة لا تشفى " كما عبر عن ذلك الدكتور كارليل. كتب السيد ريدهاوس، أعظم مرجع حي في هذا الموضوع الشاسع:
"كان تيمور ومن خلفه في الشرق كما العثمانيون في الغرب، وطنيين بما فيه الكفاية ليحبوا لغتهم الجميلة ويستخدموها في حياتهم اليومية وفي الأغراض الأدبية، لكنهم رعوا حشوداً من الشعراء الفرس وعلماء النحو العربي والمشرعين ? الخ. ولما لم تعد العربية اللغة المهيمنة وصار لها قسط من الاهتمام فقط - لكنه قسط كبير - قسط علمي، إذ ملك الفرس الزخرف والأتراك ما هو عملي مفيد. أسس الأتراك معاهد لا تحصى لدراسة العربية في تركيا والهند وبلاد فارس وروسيا. كان الدارسون في السفطاس في استنبول لا يدرسون سوى العربية."

تاريخ الأدب العربي بالإنجليزية أمنية كبيرة. يملك الألمان مخزوناً ثرياً من الشعر العربي قدم لهم عبر الدارسين المتحمسين والمجدين فون هامر- بيرجستال ولاحقاً دارسين من أشهرهم أهلفاردت، فون كريمر وروكيرت. لكن بإمكان إنجلترا الآن التباهي بثلاث لا يقلون تميزاً: شينري، بالمر، ورايت. نأمل أن يفتح هؤلاء المختصون بالعربية أبواب كنوز الأدب العربي لمواطنيهم غير المطلعين على الأدب العربي.

اعتمدنا في ذلك على المقدمتين اللتين ترجمهما صلاح صلاح، لكتاب ليدي آنا بلنت وولفريد شافن بلنت الذي نشر عام 1903، والكتاب الذي حرره وقدمه دبليو إى كولستون ونشر لأول مرة عام 1881 وأعيد نشره مؤخراً في العام 1986، وقد تضمن كتابه دراسة قيمة عن المعلقات للسير وليم جونز تعود إلى عام 1782. يمكن الرجوع إليهما في ما يلي:

 

 Blunt, Lady Anne (Translated from the original Arabic) & Blunt, Wilfred Scawen (done into English Verse). The seven golden Odes of Pagan Arabia, known also as the Mo-Allakat. London: The Chiswick press, 1903, PP. ix- xxii. Clouston, W A (edited with introduction and notes). Arabian Poetry and English Readers. London: Darf Publishers Limited, 1986 (First Published, 1881), PP. xvii- lxvi

المصدر : موقع الوراق

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com