دراســـــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

 جماليّة الإيقاع في المعلّقات

لماذا نقف هذه المقالة على الإيقاع في المعلّقات؟ وهلاّ انصرفْنا إلى سَوَائِهِ ممّا قد يكون أهمّ منه شأْناً، وأَخْطَرَ أمْراً؟ لكن أي شيءٍ يمكن أن يكون أهمّ من الإيقاع في مُدارسَةِ النص الشعريّ وتحليله؟ وإذا سلّمنا بأهمّيّة هذا الإيقاع، ومالنا إلاّ أن نسلّم بذلك؛ فماذا يمكن أن يُلاصَ، لدينا، منه: وقد قرّرْنا اختصاصَه، في هذه الدراسة، بهذه المقالة، على حِدَةٍ؟ أيُلاَصُ منه الحديثُ عن التركيبِ العَروضيّ الخالِص، أمْ أنَّه ذَهابٌ إلى مايمكن من المذاهب في تأويليّة الصوت، ودلالة النغَم، وتناسق اللّفظ، وائْتِلاف التركيب؟ ثمّ هل يمكن ربْطُ الإيقاع بالنسج، والنسج بالإيقاع، وتعليل لماذيّة هذا، بلماذيّة ذاك؟

وعلى أنّا لا نريد بمفهوم الإيقاع إلى الميزان العروضي بالمعنى التقني للاصطلاح الخليليّ. فإنّما العَرَوض تنهض على التماس الميزان الدقيق، وإنما كان الميزان دقيقاً، في الأعارِيض، لأنه ينهض على تَقدير زَمنّي شديدِ الصرامة. فكأنّ العَروضَ تعني، قبل كلّ شيء، حساب الزمن، ودقّته وصرامته، مَثَلُها مثلُ الموسيقى في تحديدِ أنغامِها، وضبط ألحانِها، بالميزان الصوتيّ الدقيق.

وإذاً، فليس الإيقاعُ الذي نريد إليه: ذلك؛ ولكنه مجموعة أصوات متجانسة متناغمة، ومتشاكلة متماثلة، ومتضافرة متفاعلة: تتشكّل داخل منظومة كلاميّة لتجسّد، عبر نظام صوتيّ ذاتيّ ينشأ عن تلقائيّات النسج بالسِّمِاتِ اللفظية، نِظاماً إيقاعِيّاً يقع وَسَطاً بين دقّة العروض في ميزانها، وتساهل النثر في فوَضْاهُ.

ويختلف الوزن عن الإيقاع لدى منظّري الشعر اختلافاً محسوساً بحيث إنّ الوزن ينصرف معناه إلى انقسام إبداع موسيقيّ إلى أقسام: يكون لها، كلّها، المدّة الزمنيّة نفسها: تتوزّع بينها على سَواءٍ، على حين أنّ الإيقاع يتشكّل من انقسام، من جنس آخر، مختلفٍ عنه كلّ الاختلاف، ومِقدّرٍ لأقسام التركيب الماثل: مُدَداً زمنيّة ليست بالضرورة متساوية"(1).

وأياً كان الشأنُ، فإنه لا يمكن تحليلُ أيّ نصٍّ شعريّ دون المَعاج على إيقاعه لمُدارسَةِ جماله، وتحديد عناصر هذا الجمال، وبلْوَرَةِ علاقة التعاطِي والتضافر فيما بينها، عبر ذلك النّصّ، ويمكن الخوض، أثناء ذلك، في تأويل علّة اختيار ذلك الإيقاع بذاته، أو اختيار تلك الطائفة من الإيقاعات الجزئيّة التي تشّكّل، في مُثولها العامّ عبر النص الشعريّ المطروح للتحليل، نظام الإيقاع المركزيّ الذي غالِباً ماتكون وظيفتُه جماليّةً أولاً، ثم دلاليّة آخِراً.

وينشأ عن تمثّلنا لهذا الإيقاع وربطه بفنيّة الجمال، ثمّ ربط جماليّته بالدلالة: أنّا نتناوله تحت إجراء التأويليّة، وذلك كيما نتّخذّ في قراءتنا، وقد نكون، في بعض ذلك، على قدر كبير من الحق، حرّيَّةَ التمثُيلِ في قراءة الإيقاع عبْرَ نصّه الماثل فيه. أي أنّنا لا نزعم أنّنا نخضعه لسلطان نظريّة علميّة صارمة، ولكننا نزعم أنّنا نُخضعه لإجراءِ التأويليّة القائم، أساساً، على التعامل مع النّصّ الأدبيّ بحرّيّة تنهض على التماس المخارج والمَوالج للنّصّ، والسلوك بقراءته في مُضْطَرباتٍ جماليّة وسيمائَيِاتيّةٍ: تكون في الغالب مفتوحةَ الحدود، غير منغلقة الآفاق.

ولعلّ التأويليّة -أو الهرمينوطيقا بلفظها الأصليّ- جاءت إجراءً فعّالاً لتخليص النقد الأدبيّ الذي القراءة الأدبيّة فرع منه: من بعض وَرْطتهِ حيث إنّه ما أكثر ما كان يدّعي لنفسه الموضوعيّة، تحت عقدة الموضوعيّة العلميّة، بينما لا يكاد يمتلك من تلك الموضوعيّة إلاّ قليلاً، وذلك بحكم انتمائه إلى حقل العلوم الإنسانيّة التي لايُبَرْهَنُ فيها، ولدى تحليل ظاهرة معيّنة منها - على صحّتها أو زَيْفَها- بَرْهَنةَ علميّة صارمة، كما يبرهن على صحّة نظريّة فيزيائيّة، أو رياضياتيّة...

فلعلّ، إذن، التأويليّة بإجراءاتها المتفتّحة، أن تكون من بين الأدوات الحداثيّة التي اجتهدت في أن النقدَ، ممّا كان متورِّطاً فيه من أَبَوِيَّةٍ وأستاذيّةٍ واستعلائيّة، كما تنقذ، نتيجة لذلك، النصّ الأدبيّ من ذلك البَلاء الذي كان يَمْثُل في إصدار أحكامِ القيمةِ القائمة على التماس الجودة أو الرداءة في العمل الأدبي، لدى قراءته، بالضرورة...

أوّلاً: أثر الحميميّة في تشكيل الإيقاع الداخليّ

إنّا حين نَقْتَرِئُ نُصوص هذه المعلّقات لنحاول تسجيل شيء من الملاحظات حوال إيقاعِها، استبان لنا، ولا نقول استكشفْنا، أنّ البنية الإيقاعيّة الداخليّة لهذه النصوص ربما أمكن حصرُها في مجموعتينْ اثنتيْن من المعلّقات: معلّقاتِ امرئِ القيس، وطرفة، وعنترة من وجهة، ومعلّقات لبيد، وزهير، وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، من وجهة أخراة.

وقد يكون من القصور، في إنجاز التحليلات الإيقاعيّة على الطريقة الحداثيّة، أن نتحدث عن مجرّد الإيقاع الخارجيّ الذي كثيراً ماينصرف لدى الناس إلى مجرد مايطلق عليه العروض: إما الرويّ في حال، وإمّا القافية في حال أخراة: ثم نَتَّرِك الروافد الخلفيّة الثرثارة التي تمدّ هذا الإيقاعَ بالأنغام، وتمكّن له في الحَصْحَصَةِ والقِيام. إنَّا لو جئنا ذلك لكان سعْيُنا مُجَرّدَ ملاحظات ساذَجة، وتقريرات فجّة، إن لا نقل فاسدة، وهل يجوز جَنْيُ الثمرة، وقطع الشجرة؟ إِنّ أيَّ إيقاع، حين ندارسه ونداخله، لا مناص لنا من العودة إلى الخلفيّات اللّفظيّة (نحن هنا ندارس نصَّاً أدبيَّاً لا منغومة موسيقيّة، ولذلك فإنّ المادّة الإيقاعيّة تتمثّل في مادّة الألفاظ وما تأتلف منه من حروف تجسّد أصواتاً هي بمثابة الأنغام في علم الموسيقى...)، والتي تشكّل هيكله الصوتيّ العامّ...

فلماذا اصطنع امرؤ القيس الإيقاع الخارجيّ الوطيءَ الصوت (الرويّ المكسور)؟ وهل كان ذلك مجرّد مصادفة واتفاق؟ ولكن مَنْ مِنَ الحُذّاق يذهب إلى عفويّة مثول الفنّ؟ وحتى إذا كان ماحدث من نسوج نغميّة، كان في الأصل، افتراضاً، مصادَفَةًً وعفواً: فكان بمثابة الصوت الذي يصدر عن الحنجرة، والنظرة التي تصدر عن الطرْف، والشذى الذي يعبق من الورد... فإنّ من حقّنا، ومن واجبنا أيضاً، ونحن نقرأ: أن نقرأ النصّ الأدبيّ على غير ماكان لاصَ النّاصُّ، وعلى ما لم يكن فكّرَ فيه قط، إذّ من حقّنا البحث عن اللاَّمحدودِ في الدلالات التي ضمّنها المؤلّف نَصَّهََ، كما أنّ من حقِّنا البحثَ أيضاً عن اللاّمحدودِ في المعاني التي جَهِلَها المؤلِّف (2)، أو تلك التي لم تَدُرْ له بِخلَدٍ.

ذلك بأنّ الغاية من القراءة لم تعد، كما يقرّر ذلك امبرتو ايكو، مقصورةً على جانبها التجريبيّ فحسب (ارتضاؤها بالاقتصار على تحقيق هدف يتمثّل فيما يمكن أن يطلق عليه سوسيولوجيّة التلقّي): ولكن إبراز وظيفة التطنيب (البناء) والتقويض (أي مايطلق عليه النقاد الحداثيّون في شيء من القصور: التفكيك) للنّصّ الذي تتولّى القراءةُ النهوضَ بِلَعِبِهِ: بما هو وظيفة فاعلة وضرورية لإنجازِهِ كما هو (3).

أرأيت أنّنا يمكن أن نقرأ النص الأدبيّ، إذا ركضنا به في مضطَربِ التأويليّة الرمزيّة، على نحوين اثنين:

1- بالبحث عن اللاّمحدود في الدلالات التي كان المؤلّف ضمّنها نصّه.

2- بالبحث عن اللاّ محدود في المعاني، أو الدلالات، (وذلك هو الذي يعنينا في تحليل مسألة الإيقاع في المعلّقات، وفي كلّ الجماليات السيماءَوِيَّةِ التي نطرحها من هذه القراءة من حولها التي جَهِلَها المُؤَلِّفُ (والتي أْنَتَتجَتْ- كذلك نريد أن نُعَبِّرَ- احتمِالاً، من المتلقّي، ولكن دون أن نعلم ما إذا كان ذلك نتيجة، أو قصوراً، عن مقصديّة النّاص)(4).

والمشكلة المنهجيّة التي قد تظلّ قائمةً لزمن بعيد، تَمْثُلُ في هاتين المُساءلتينْ الاثنتين:

1- هل يجب أن نبحث في النّص عمّا كان المؤلّف يريد قوله؟

2- أو يجب البحث في النّص عمّا يقوله هو، لا عمّا يقوله صاحبُه؟

أي أننا في الحال الأخيرة نعالج النص الأدبيّ بمعزل عن مقصديّات مؤلّفه.

وفي حال التسليم بالاحتمال الثاني للقراءة، فإنّ التعارُضَ، حينئذٍ، سيحدث بين:

أ- هل يجب أن نبحث في النّص عمّا يقوله النصّ بالإحالة على نَسَقِهِ السياقيّ، وبالإحالة على وضع أَنْسِقَةِ الدلالة التي يُحيل عليها؟

ب- أم هل يجب أن نبحث في النّصّ عمّا يجده فيه المتلّقي بالإحالة على أَنْسَاقِ دلالته و/أو بالإحالة على رغباته، أو قابليّة ميوله، أو مشيئاته الممكنة...؟ (5).

ويبدو أنه من الأمثل للقارئ، وللنصّ المقروءِ، وللمؤلف الذي كان أبدع النص: من الأمثل للجميع أن تكون القراءة على المذهب الثاني.

وإذن، فلِمَ الإيقاعُ الخارجيّ في معلّقة امرئ القيس وطيء الصوت، بتعبيرنا؟

إنّا ونحن نجتهد، ولا نملك إلاّ قولَ ذلك، في الإجابة عن هذا السؤال المعرّفي الإجرائيّ معاً: ربما نكون قد أجبنا عمّا لم نطرحه من سؤال، من قبل، وهو: ومابال الإيقاع الخارجيّ، وإنما غايتُنا، في هذه الفقرة من البحث، تحليلُ الإيقاع الداخلي أساساً؟

والحقّ أنّ الفصل بين الداخليّ والخارجيّ من الإيقاع لم يكن إلاّ إجراء تيسيرِيَّاً للمتلقيّ، وإلاّ فَهُما، في الأصل، مندمجٍان، منسجمان، متزاوجان متكاملان، بحيث لا يكون الأوّل إلاّ بالآخر، وإن أمكن كَوْنُ أحدِهما فما كان ليكون إلاّ ضعيفاً هَشاً وهزيلاً فَجَّاً.

 

لقد لاحظنا أنّ امرأ القيس ابتدأ أوّل حرف في معلّقته بالصوت المخفوض: قِـ +فا... فكان، أو كأنّ ذلك كان، بمثابة إعلان عن هويّة المنظومة الإيقاعيّة عَبْرَ هذا النص الشعريّ العجيب... ولقد ازداد ذلك رُسوخاً بورود خفض واحد على الأقل في كلّ السمات اللفظيّة التي يتألّف منها البيت الأول من المعلّقة المرقسيّة- إلاّ ظرفاً واحداً كان يجب أن يظلّ مبنياً على الفتح هنا:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيبٍ ومَنْزِلِ
 

 

بِسِقْطِ اللِوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ
 

إنّ الصوت الأوّل في النّص كأنّه يأتي بمثابة إعلان عن الهويّة الإيقاعية للصوت الأخير فيه. والصوت الأوّل في البيت، يؤذن بالهويّة الإيقاعية للصوت الأخير منه...

إنّا نُحِسُّ، منذ الوهلة الأولى، أنّنا أمام نظام إيقاعيّ مُتماسِكٍ تتركّب أنغامُه، خصوصاً، من أصوات وطيئة (من مخفوضات متلاحقة). ولكن هذه الأصواتَ المنخفضة المتلاحقة، المتضافرة المتغافصة، والآخِذَ أوّلُها بتلابيب آخرها: هي، في نهاية الأمر وأوّله أيضاً، جزء من نظام صوتيّ تقوم جماليَّتُه على حميميّة المضمون، وعلى سياق الحال، فأفضى إلى نظام للتركيب الإيقاعيّ الداخليّ الذي هو بمثابة الخزّان الجماليّ للإيقاع الخارجيّ الذي ماكان ليأتي، في الحقيقة، إلاّ تتويجاً لهذه الخلفية المتناغمة التي ازدانت بها منطوقات هذه القصيدة.

ولقد نؤول أنّ الصوت المخفوض، أو المنكسر، أو الوطيء، هو أليق بالذات، وأولى بحميميّتها من سَوَائِهَ في هذا المَقام، وذلك على أساس أنّه يتلاءم، في اللغة العربيّة، مع ياء الاحتياز ( ياء المتكلّم) الدّالّة على الامتلاك والأحقّيّة. وَلِمَّا اقتنعْنا بهذا التمثّل ربطناه بنصّ معلّقة امرئ القيس الذي بصرف الطرف عن الأحشاء، والأعاريض والأَضْرُبِ، والأضْرُبِ، بلغة العَروضيّين، أو الفونيمات بلغة الصَّوْتانِيّينّ، والتي تمثّل أواخِرَ المصاريع خصوصاً - وهي تمتدّ على مدى نصّ المعلّقة -فإنه اشتمل على سِمَاتٍ لفظيّة كثيرة: إمّا لأنّها تنتهي بصوت وطيء، أو منخفض، وهو الصوت الذي زعمنا أنه يرتبط بالذات، ويتمحض لباطن النّفس، وذلك لأنه كثيراً مايرتبط بياء الاحتياز؛ وإمّا لأنّها تدلّ على حميميّة المدلول.

إنّ الإيقاعَ الداخليّ، كما يجب أن يتبادَرَ إلى الأذهان، نقصد به إلى العناصر الصوتيّة، أو السمات اللّفظية، التي تأتَلِفُ منها الوحدة الشعريّة (البيت) بِجَذاميرها، والتي تشكّل هي في ذاتها، مع صِنْوَتِها، هيئة النص الشعريّ المطروح للقراءة، بحذافيره.

وقد كُنّا لاحظّنا منذ قليل أنّ هذا الإيقاع، في تشكيلاته الكبرى، يتحكّم فيه الصوت المنخفض الدالّ، في رأينا، على الانهيار، والبّثّ، والحزن، والحرقة، وإذا غَضَضْنا الطْرف عن الصوت الساكن الذي لا يأتي في الكلام إلاَّ لِلْحَدِّ من الحركة الصوتيَّة وقمعها، أو التلطيف من غلوائها وعنفوانها؛ فإنّ العناصر الصوتيّة المنخفضة، هنا، هي السائدة المهيمنة، والماثلة المتحكِّمة. ولعلّ هذا الأمر أن يندرج ضمن هذا الوضع المتدّنّي لمعنويّات نفس النّاصّ.

ونحن حين جئنا نتابع العناصر اللفظية المُفرزة للأنغام، ونتقصّى طبيعة أصواتِها، ألفينا مالا يقل عن عشرين عُنْصَراً اتّخذ له الصوت المفتوح (منها اثنا عشر صوتاً مفتوحاً ممدوداً):

قِفَا- ذِكْرَى- اللِّوَى- بَيْن- فَتُوضِح- رسْمُها- لِمَا- نَسَجَتْها- تَرَى- بَعَرَ- عرصاتِهَا- قِيْعَانِهَا- غَدّاةَ- يَوْمَ- لَدَى- بِهَا- عليَّ- لا- وإنَّ- عِنْدَ (وقد رصَدْنا ذلك من الستة الأبيات الأولى من المعلّقة).

ودلّت الهيمنة النسبية للصوت المفتوح على أنّ حال الشاعر كانت تستدعي البثّ والشكوى، والحنين والبُكى، لأنّ الذين يَشْكِي أو يبكي مضطرّ، في مألوف العادة، إلى أن يرفع عقيرته كَيْما يَسْمَعُهُ الناسُ ويلتفتوا إليه. ولأمر ما كانت حروف النداء، في اللغة العربيّة، مفتوحةً كلّها (أ- أيْ- يَا- أيّا- هيّا....): ولعلّ ذلك من أجل أن يُسمَع المُنادِي حاجته، ويبلّغَ لهم رسالتَه، وَيَسْتَبين عمّا في نفسه من كوامِنِ الأسرار، ومكنون الأخبار، الدعاءُ مدٌّ للصّوت، والشكوى مدٌّ، أيضاً، لهذا الصوت، والحنينُ، من بعض الوجوه، مَدٌّ للصوت. ويكون الصوت في مثل هذه الأطوار مفتوحاً لينفتح به الفم، ولتنطق به الحنجرة حال كونها مفتوحةًً، ولتنادي به العقيرة في الهواء، ولترتفع به في الفضاء.

أمّا العناصر الصوتيّة المنخفضة الأخرى، والمشكّلة للإيقاع الداخليّ، أو لكثير منه، في الطليّة المرقسيّة؛ فإنها بلغت، هي أيضاً، زهاء ثمانيةَ عَشَرَ عنصراً صوتيّاً، وهي (وراعينا في ذلك النطق الفعليّ، لا الحالة النحويّة في مثل "في"، وفي مثل "كأنّي"): نَبْكِ- ومنزل- بسِقْط- الدُّخولِ- فَحَوْمَلِ- فالمقراةِ- وشمأَل- الاْرآمِ- في -فُلْفِل، كأنّي- البينِ -سَمُراتِ- الحيِّ- الحيّ- حَنْظّلِ- صَحْبِي- وتجَمَّلِ- شِفَائِي- مُعَوَّلِ.

 

وإذا توسّعنا في استقراء القراءة وجاوزّنا بها الستةَ الأبيات الأولى إلى مابعدها نصادف سِماتٍ كثيرةً تنتهي منخفضةَ الصوت. ودالّة على الحميميّة والامِتلاك.. مثل قوله: (شِفائِي- دَمْعي- مِحْمَلي- مَطِيَّتي- يا امرأ القيس- بعيري- ولا تُبعِديني- وتحْتي- صَرمْي- أغرّكِ- مِنّي- حُبَّكِ- ساءَتْكِ- فسُلّي- ثيابِي- أمْشي- فُؤادي- هواكِ- فيكِ- مِنّي- حَرْثي- أغتدي- بعيني- أصاح- وصَحْبَتِي...

وإذا حقّ لنا أن نؤوِّلَ هذا السعيَ الماثل في النّص، فسيكون، مثلاً، أنّ الناصّ إنما اصطنع الأصوات المنخفضة على دأبه في التعامل مع المنخفضات من الأصوات، من أجل أن يدلّ بها، في رأينا على الأقلّ، على انقطاع الماضِي، وموْت الزمن الفائت، وذهاب الحال، واستحالة الأمر. وقد لاحظنا أنّ الأصوات المكسورة [والمكسور، من الوجهة اللغويّة، مقهور- ومن الوجهة الإحصائية] متقارِبَةُ العدد مع الأصوات المفتوحَةِ الآخِرِ: ولعلّ ذلك لتناسب حالة الحنين والشكوى والبثّ المعبَّر عنها بالأصوات المفتوحة الممدودة، وغير الممدودة، بحالة الزمن المنقطع، والماضي المندحر، والأمس المندثر.

فهناك إذن تلاؤُمَ تامّ، وانسجامٌ عجيب، بين الأصوات المنفتحة، أو الأصوات الممتدّة إلى نحو الأعلى، والأصوات الممتدة إلى نحو الأسفل: في التعبير عن الراهن من الحال، والدّلالة على الوضع القائم في ذات الناصّ ونفسه.

وهناك سمات صوتيّة أخراةٌ تَرِدُ في النسج الداخلي للإيقاع، بعضها حميميّ خالص، وبعضها له صِلَةٌ بالحميميّة حين يُذابُ في النسيج العامّ للنّصّ، وذلك مثل: عَقَرْتُ- دَخلْتُ- فقُلْتُ- فألهَيْتُ+ها- تمتَّعْتُ- تجاوزْتُ+ فجئت-خرجت+ هصرت-فقلت- جعلت- قطعت+ه- فقلت. -طرقت.- عقرت...

ومثل:

بنا- وراءنا- أثرَيْنا- يا (امرأ القيس)- وما (أن أرى)- انتحى- بنا- أرخى- عصامها- لمّا- عَوَى... إنّ الصوت الخارجيّ (الرّويّ) الطاغِي على النّصّ ليس إلا صورة للأصوات الداخليّة المُتتالية المتناغمة، والتي تتّخّذ لها سَلالم صوتيّة مختلفة بين الامتداد المفتوح، والانكسار المخفوض، وكُلُّها ذو صِلَةٍ بحميميّة النفْس، وجوانيّة الذات للناصّ: التي كانت بمثابة المُرْتَكَزِ الحصين الذي يرتكز عليه الصوت الخارجيّ، وإذا وَفُرَ للإيقاع، بنوعيهْ، أصواتٌ داخليّة تدعمّه وتُثريه، وصوت خارجي، يُزِيْنُه ويُؤْوِيه، كان غنيّاً سَخِيّاً، وطافحاً عبقريّاً.

 

والحميميّة التي ردّدناها، والتي نردّدها كًثيراً في هذه المقالة، كما رأينا بعد، ترتبط ارتباطاً داخليّاً بنفس الناصّ، وحُبّه، وسيرته، وهمومه، فالذات، في هذا النّص، هي الطاغية؛ إذ لم يكد يخاطب إلاّ بعض أصحابه، وبعض حبيباته، وبعضَ ليلهِ، وبعضَ ذئابه (على الرغم من أنني أذهب مع من يذهبون من القدماء، إلى أنّ الأبيات الأربعة التي يتناول فيها الذئبَ ومحاورته ليست له). وماعدا ذلك فصوت الناصّ هو الطاغِي، وذاتيّته هي الطافحة، وحميميّته، هي البادية الماثلة.

إنّ الإيقاع في معلّقة امرئ القيس لم يكن، من منظورنا على الأقلّ، اعتباطِيّاً تركيبُه، ولكنه ينهض على نظام صوتيّ موظّف عبر النسج الشعريّ بحيث نلفي الدالّ -وهو السمة التي تمثّل الصوت- يُحيلُ على المدلول؛ والمدلول يحيل على الدّالِّ، في انتظام وانسجام، وتناسق والتحام.

ولا يُصادفنا إلا شَيءٌ من ذلك حين ننزلِق إلى الحديث عن معلّقة طرفَة التي تطالعنا فيها حميميّة طاغية. وإنما قلنا: طاغية؛ لأنّ دوالَّها أوفرُ كثرةً، وأوسَعُ انتشاراً في هذا النصّ، من معلّقّة امرئ القيس نفسها، كما نصادف فيها فيْضاً من "الفونيمات" المنخفضةِ الأصواتِ التي كانت هي أيضاً بمثابة خزّانِ سخيّ للمنظومة الصوتيّة العامّة التي يتركّب منها نسج المعلّقة. ومن العجيب أنّ أوَّلَ حرف، في أوّلِ لفظٍ، في أوّل بيْتٍ، في هذه المعلقة يبتدئ بالخفض: مثل أوّل حرف، في أوّل لفظ، في أوّل بيت -أيضاً في معلّقة امرئ القيس، حَذْوِ النعلِ بالنعلِ. ونلاحظ في نصّ طرفة أيضاً فئتين اثنتيْن من الأصواتِ: فئة الأصوات المنخفضة، وهي التي تركض، فيما نزعمه، في مركض الحميميّة التي تَسْتَمِيزُ بها قصيدة طرفة، وفئة الألفاظ التي وإن لم تكن منخفضة من حيث هي سِماتٌ صوتية، إلا أنها دالة على ذلك من حيث هي مدلولات.

ويمكن أن نمثّل للفئة الأولى ببعض مايلي:

صَحْبي-وإنّي- صاحِبي- تَبْغِني- تلْقَني- تلتَمسْني- تُلاقِني- تَشْرابي -ولذَّتي- وبِيْعي- وإنفاقي- طريفي- ومُتْلَدِي- تحامَتْني- سْبقي- وكَرّي- فَما لي- أرانِي- وابنُ عَمِّي- عَنّي- يلومني- لامَنَي- وأيأسَنِي.... وهلمّ جرّا ما تَكَلُّفُ إدراجِه، كلّه، قد يثقل كاهِل هذه المقالة، ويمدُّ في طولها، فعسى أن يكون هذا التمثيل كافياً لمن أراد أن يتابع ذلك في معلّقة طرفة حيث وصلّنا به، نحن، إلى زهاء إحدى وستّين حالة منطلقة من ذات الناصّ، أو صابّة في فيضه الذاتيّ الثرثار.

أمّا الشقّ الثاني لحميميّة هذا النّصّ، تلك الحميميّة التي نربطها بالإيقاع الخارجيّ المنخفض الصوت: فيتمثّل، هو أيضاً، في فيض من السِّمات الصوتية الضاربة في هذه الحميميّة، الحائلة عليها، أو المنطلقة منها، وذلك مثل:

وإنّي -لأمْضي- وإن شئتُ- وإن شئتُ- وإن شئْتُ- أمْضِي- خِلْتُ- أنّني- عنيت- لم أكْسَلْ- لم أتبلَّدْ- أحَلْتُ- ولسْتُ- أَفِرْدْتُ- رأيت- أبادر- أحفل- أرى- أرى- أرى- أدرى- نشدت- أغفل- قرّبت- وأنْ أدع- أكُنْ- أشهدَ- أجهدَ- أسقهم- أحدثته... وهلمّ جرّا ممّا عَفَفْنا عنه من ألفاظ أخراةٍ باقية كثيرة تدلّ على حميمية المعنى، وذاتيّة المدلول، ويكون لها أثناء ذلك دور في إغناء الإيقاع بالأنغام الصوتية المتماثلة، أو القريبة التماثل...

ويأتي عنترة في المرتبة ذاتها، أو في مرتبة من الحميميّة قريبة من مَرْتَبَتَيْ ضَرْبَيْهِ امرئِ القيس، وطرفة. وواضحّ أنّ ذلك يعود إلى طغيان الذاتيّة لدى هؤلاء الثلاثة المعلّقّاتيّين لأنّ غايتهم، من قول الشعر، لم تكن للحكمة أساساً، ولا لالتماس صلح بين قبائل متحاربة (زهير)، ولا لالتماس الفخر بالقبيلة والتغنّي بأمجادها (عمرو بن كلثوم)، ولا لتجسيد اللوم والتثريب، والتوبيخ والتقريع، لخصوم القبيلة (الحارث بن حلّزة)؛ لكنّها كانت للتعبير عن النفسْ، والترويح عن القلب، والتغنّي بالذّات، ووصف ماله صلة بها كالرّكوبة، والحبيبة، والفَرَس، ومجالس اللهو، والشراب...

 

علاقة الإيقاع بالنسج الشعرّي لدى عنترة

ولمّا كانت الميم شَفَويّةً، فكأنها حرف الذات، وصَوْتٌ للنفس، إذ الشفتان تنضمّان عليه كما تنضّم الرّحِمُ على الجنين، وكما ينطوي الكِمُّ على الوَرْدَةِ قبل أن تنشق عنه، وكما يَشُّدُّ كُلُّ امْرئٍ على ذي قيمة. ونلاحظ أنّ الميم حين تكسر، تظلّ محتفظة بالصوت، وحين تخرجه، لدى نهاية الأمر، تُلْقِيَ به نحو الأسفل، نحو القلب، نحو الجوانح... كذلك نتمثّل أمر وظيفة هذا الصوت... على حين أنّه حين يُفْتَح، يطيرُ به الصوت في الهواء، وينتشر في الفضاء. أمّا حينَ يُضَمُّ، فإنّه يتلاشى في الهواء، ولكن نحو الأمام من وجهة، ولمَدَّى من الانتشار، يقلَّ عن الانتشار الذي يتمخّض للصوت المفتوح -وخصوصاً حين يمتدّ- من وجهة أخراة.

من أجل كلّ ذلك وافَقَ صوْتُ الميم المنخفض دلالة النسج على المدلول، وهو هذه الحميميّة التي تصادفنا في معلّقة عنترة حيث إنّ هناك مالا يقلّ عن ستٍّ وسبعين حالةً يقترن فيها السِّمَةُ الصوتيّة بياء الاحتياز، أو همز الأَنَا، أو تاء المتكلّم، أو مافي حكم ذلك.. ممّا يجعل من معلّقة عنترة، من الوجهة النسجيّة: نصّاً يدور في دائرة معلّقتي امرئِ القيس وطرفة حيث كنّا رأيناهما، هما أيضاً تحملان كثيراً من هذه السمات الصوتيّة: الرويّ المكسور غير الممدود، وهو الصوت المقترب من النفس والذات، واستعمال اللاّم التي يمكن أن نطلق عليها لام الامتلاك، واصطناع الدال، وهي حَرْفٌ صوته يقترب من النطق الشفويّ (تُصَنَّفُ الدالُ حَرْفَاً لَثَوِيّاً، لأن مبدأ نطقها من اللّثّة) الذي يعني شَيْئَاً من الحميميّة والانغلاق على النفس، والانْزِواء داخل حيز الذات...

فلو كان حرف الرويّ الذي هو الميم، هنا، مضموماً لكان رمى بكلّ شيء إلى الخارج، ولألْقَى بكلّ القيم الدلاليّة نحو العَدَم؛ لكنّ هذه الميم خُفِضَتْ؛ فكان خفضها من أجل إرسالِ هذه القيم الدلاليّة إلى نحو الأسفل، إلى نحو القلب والذات، والإحالة بها على الماضي الغابر على أساس أنّ النُّصَّاصَ، هنا، يسردون ذكرياتٍ وأحداثاً ممّا كان وقع لهم في بعض ذلك الماضي.

ولقد ظاهرت هذه السِتَّةُ والسَّبْعُونَ عُنْصَرَاً المكسورة الآخِرِ، وفي نصّ معلّقة عنترة، على التمكين لِمّا نُطْلِقْ عليه حميميّة الإِيقاع الناشئة عن اغتفاص هذه الاحْتِيازات الكثيرة، والتي منها ناقِتي- وحشيّتي_ مخالقتي- مالي- وعِرضي- شمائلي- وتكرّمي- يدايّ- كِفّي- عهدي- لبّي- جاريتي- نعمتي - عمّي- مقدمي- دمي...- لي- إليّ...

وهناك سِمات أخراة تحيل على الذَّات، والداخل، والحميميّ، ولكن لا يعبّر عنها بياء الاحتياز، ولكن بأدوات أُخراةٍ مثل تاء المتكلّمْ، وهمزة المضارع الدالّ على المفرد المتكلّم، مثل: فوقفت- أقتل- أبيت- ظُلِمْتُ- أظلم- تركت- شَرِبْتُ- صَحْوتُ- أغشى- فشكَكْتُ- فتركتُه- نزلت- قطعتُ+ـهُ- فبعثْتُ- نُبِّئْتُ- حفظت- رأيت- مازلت- شئت...

كما أنّ هناك سماتٍ دالّةً على الذات؛ ولكن بصورة غير مباشرة مثل:

مِنّي- راعَنِي- دُونِي- إنني - عَلَيَّ - بي - ولكنّني- مشايعي...

وكلّ ذلك كان من أجل التمكين للنسج من أن ينسجم مع المنسوج، وجعل الدّالِ يتماشى مع المدلول؛ إذْ لمّا كان الإيقاع الخارجيُّ مكسوراً فإنه كان- والحال إنّ الشعر جمالٌ وسحر وقول يبهر ويدهش، وكلام يمتع ويؤنس- مُنْتظَراً أنْ تتلاءَمَ مُعظمُ النسوج (الألفاظ، أو السمات الصوتية، المنتسجة منها الجُمَلُ داخل النّص) بأن تنتهي، هي أيضاً، بالكسر، أو بياء الاحتيازِ (ياء المتكلّم) الناشئة عن الكسر، أو المُنْشِئَة لهذا الكسر المُحيل على الذات الدّالَّة على الحميميّة المتقبّلة كلّ ما يأتيها من الخارج لتختزنَه في الداخل المضطرِبِ فَتَزْدَخِرَ بِهَ ازْدخاراً...

فهؤلاء المعلّقاتيّون الثلاثةُ، كما رأينا، (وإن لم نعمّق تحليل الإيقاع في نصوص معلّقّاتهم، لأسباب منهجيّة...) تشيع في قصائدهم الحميميَّةُ بمعنَيَيْهَا لدينا: ياءِ الاحتيازِ، وضمير المتكلّم المفرد.

ويمكن أن نصنّف لبيداً ضمن الخاصيّة النسجيّة الأولى حيث وردت في معلّقته سِماتٌ صوتيّة كثيرة تَرْتَكِضُ مُرْتَكَضَ الثلاثة أتيْنا عليهم ذِكْراً في هذه المقالة. وقد أحصيْنا من ألفاظ الحميميّة في معلّقته ما أناف على الثلاثين.

فكأنّ لبيداً يمثّل حلقةَ وصْلٍ بين السبعة، وكأنّه يقترب، في هذه الخاصيّة الإيقاعيّة، من الثلاثة الأوائل دون أن ينضِويَ، مع ذلك في لِوائهم، ويدرج في فَلَكهم، فكأنَّه، إذن، في الوقت ذاته، يَزْدَلِفُ من الثلاثة الأواخِر (ولفظ "الأواخر" هنا لا يعني إصدار حكم قيمة، وأنّ هؤلاء الثلاثة أدنى شاعريّةً من الثلاثة الذين توقفنا، في هذه المقالة، لدى بعض عناصر الإيقاع في شعرهم، ولكنه يعني مجرّد نظام الحساب...) على نحو ما...

إنّ حميميّة لبيد لا ترقى إلى تشكيل ظاهرة نسجيّة، تمثّل جهازاً صوتيّاً يمدّ الصوت الخارجيّ بالأنغام على نحو ما كنّا ألفيناها لدى طرفة، وبدرجة أقلّ لدى امرئ القيس، فإنما كان لبيد يصف حالاً، ويتحدّث عن وضع كأنه كان يعيشه قبل، أو قُبَيلَ، إنشاءَ هذه المعلّقة التي يبدو أنها تعرضت لتنقيح شديد... فنسْج شعره يقوم إيقاعُه على مايمكن أن نطلق عليه الروح السرديّة أكثر ممّا يقوم على الحميميّة. وينهض إيقاعه على الإحالة على ماضٍ قريب حتّى كأنّه حاضر ملفوف فيه: مُهَا.

فالضمّ الوارد قبل الفتح، في الإيقاع الخارجيّ، يُبعدُ الحميميَّة، وهَا الممدودة تُدْنِي النًّسْجَ من الحاضر، بمقدار ما تَزْدَجِيهِ نحو الماضي. فكأنّ الماضِيَ، هنا في تمثّلنا نحن على الأقلّ، يمتزج بالحاضر، والذاتَ تذوب في الآخرَ، كما أنّ الآخَرَ يذوب في الأنّا. من أجل ذلك تمازجت النسوج بالإيقاعات، فكانت تحيل على الخارج، ولكن انطلاقاً من الداخل المتمثّل خصوصاً في صوت الميم الدال على الحميميّة، حتى وإن كان مضموماً فإنه باعتبار ميميّته- أي باعتبار مخرجه الشفويّ الذي يستدعي أن تَضْطَمَّ عليه الشفتان معاً- يظلّ محتفظاً بمسحة من هذه الحميميّة.

بينما نُلفي هذه الحميمية تضعُف لدى زهير، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وتحلّ مَحَلّها؛ وخصوصاً لدى الحارث وعمرو، نَا الدّالةُ على الجماعة، المنبثقةُ عن ضمير القبيلة وصوتها الجمّاعيّ.

وإذا كان زهير لم يكد يورد من ألفاظ الحميميّة إلاّ زهاء اثني عشر لفظاً، فَبِمَا إغراقهِ في التأمّلّية؛ وَبِمَا نَهْيِهِ عن الانغِماس في رِجْسِ الحرب؛ وبما دعوته الناسَ إلى السلم وترغيبهم في الجنوح لها حيث كانوا، إذ لا يَجْنُون من الحرب إلاّ المآسيَ والشقاء، والإحن والعذاب.

ونلفي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة يتفرّدان بالإضراب- والشأن منصرف إلى الإيقاع الداخليّ في معلقتيهما- عن الحميميّات والذاتيّات إلى : نَا ونَحْنُ الدّالّيْن على الجماعة، أي على القبيلة؛ لأنّ نصّيْهما كان يجريان مجرى النطق باسم العشيرة، والاحتجاج لها، والنضح عنها، والتعصّب لمذهبها، والدفاع عن مصالِحَها، والتغنِّي بمآثرها، وقد تكاثرَ ذلك وتغازر، ولاسيما لدى عمرو بن كلثوم، حتّى شكّلّ منظومةً إيقاعيّة داخليّة كانت تمدّ الإيقاع الخارجي نفسَه القائمَ على نَا بُكِلِّ الطاقات الصوتيّة الغنيّة التي لا يكاد مَدُدها ينقطع، ولا صوتها يَبَحُّ.

ولم تستأثر الحميميّة لدى عمرو بن كلثوم إلاّ بأربعِ حالاتٍ، من حيث هيمنت ظاهرةٌ إيقاعيّةٌ أخراةٌ، هي مانطلق عليه الضجيجيّة، كما سنرى، في القسم الأخير من هذه المقالة، هيمنةً مطلقةً على النص الشعريّ الذي لم تكن الغاية من وراء إنشائه تلك التي كنّا صادفناها لدى امرئ القيس، وطرفة وعنترة، وربما لدى لبيد أيضاً، من بعض الاعتبارات؛ ولكنها كانت تتمثّل في التعبير عن غَضْبَةِ القبيلة التي نهضت رجُلاً واحداً وراء الشاعر. فقصيدة عمرو بن كلثوم لا تمثّل ذاتَ صاحِبها، ولا صوتَه، ولا حميميّته؛ ولكنها تمثّل، بامتياز، ذاتَ القبيلة وشرفَها، وإباءَها وأَنَفَتْهَا، واسْتِعْلاءَهَا ورفضها المهانة التي أراد عمرو بن هند إلحاقَها بها حين همّ باجْتِعَالِ السيدة ليلى، ابنةِ مهلهل بْنِ ربيعة، وبنت أخِي كُلَيْب وائل أعزّ العرب، وأمّ عمرو بن كلثوم الشاعر الفارس، والشجاع الفاتك: خادماً لأُمه هندٍ؛ كما كان تعصّب؛ قبل ذلك، لقبيلة بكر على تغلب، من وجهة نظر ابن كلثوم على الأقلّ... فكانت تلك المعلّقة المُجَعْجِعَةُ صدىً لتلك الأحداث المَهولة، ووجْهَاً لذلك الصَّراع القبَليّ الذي يمثّل بامتياز روح الجاهليّة الأولى.

****

ثانياً: ضجيجيّة الإيقاع

قد يكون الإيقاع، من الوجهة الاعِتباطيّة الخالصة، ضجيجاً، فهل يكون، إذن، كلُّ ضجيج إيقاعاً؟ لا نعتقد ذلك، بل نعتقد شيئاً من ذلك! ذلك بأنّنا نودّ أن نُلَطِّفَ من مدلول هذا الضجيج فنرقى به إلى طبقة النغَم والإيقاع، وذلك على أساس أنه ينهض على نظام صوتيّ لا يعدوه، ويقوم على ميزان عروضيّ لا يَمْرُقُ عنه.

ولقد ألفينا إيقاعَ البحر الطويل يستأثر بمعلّقاتِ امرئِ القيس، وطرفة، وزهير. ولقد كانت رويّات المعلّقات الثلاث مكسورة الصوت إيغالاً في حميميّه الأوّل والثاني خصوصاً. من أجل بعض ذلك نذهب إلى أنّ هذه الرويّات المنخفضة لدى هؤلاء، مضافاً إليها رَويُّ عَنترة، أبعدت هذه المعلّقات من إيقاع الضجيجيّة إلى إيقاع الحميميّة؛ إلاّ ماكان من أمر معلّقة زهير.

بينما نلفي المعلّقات الثلاث، الأخريات، يذهبن في أودية مختلفات:

* ــمُها

* سينا

* سآءُ

ولعلّ من الواضح أنّ اختيار هذه الأصوات، إيقاعاً خارجيّاً، أو رَوّياً: كان بدافع الرغبة العارمة في إشباع النفْس الشعرية من الضجيجيّة الدالّة على الاحتِجاج والغضَب، والتحفّز والاستعلاء.

كما أنّ إيقاع البحر، أو ميزانَه، تنوّع في هذه الثلاثِ القصائدِ فإذا هوكامل، ووافر، ومديد.

ونحن نرى أنّبحر الطويل قد يكون دالاً على هدوء النفس واطمئنانِها (على الرغم من أنّ النّاس لم يتّفقوا على علّة اختيار الشعراء لإيقاعاتٍ دون إيقاعات أخرى؛ وذلك على الرغم أيضاً ممّا كان ذهب إليه حازم القرطاجنّيّ في محاولة تعليل ذلك (7) ، أو على الأقلّ: على شيء مطمئّن في النفْس، كامنٍ فيها، ولكن لا تراه يتخرّج منها إلاّ بمقدار. على حين أنّ إيقاع المديد، خصوصاً، يدلّ، في منظورنا، على تحفز النفْس وعذابها. وتقّطع الضمير حسراتٍ على ما مضى، أو على ماوقع، وكان يجب أن لا يقع، لو كانت إرادة الإنسان قادرةً على التحكّم فيما يقع، وفيما لا يقع، فتقطّعُ الصوت يجب أن يدلّ على تقطُّع حبال النفس من داخلها.

وأيّاً كان الشَّأْنُ؛ فإنّ تعليل اختيار الشعراء لإيقاعات معيّنة لا ينبغي أن يُنْظَرَ إليه نظرة علميّة صارمة، ولكن يجب أن يُتَحَدَّثَ عنه ضمن عطائيات التأويليّة، ويجب أن يظّلّ الاجْتهاد في ذلك مفتوحاً إلى يوم القيامة.

والألفاظ الدالة على الضجيجيّة في معلّقّة امرئِ القيس ألفاظٌ قليلة، ولا تدلّ عليها إلاّ بتعويمها في إِجراء التأويليّة مثل موج البحر بما يتلاطم، وسيل المطر بما يسوقه من صخور وأَغْثَاءَ، ومكاكِي الجِواء، وهي تغرّد بأصواتها المتداخلة التي ينشأ عنها ضجيجٌ حادّ، ومثل الألفاظ الدالّة على النداء في هذه المعلّقة نفسها.

بيد أن ذلك ماكان ليجعل من مجرّد هذه النماذج القليلة منظومةً ضجيجيّة، كما سنرى لدى عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، مثلاً فالحميميّة في معلّقة امرئ القيس هي الأطغى. وحديثنا عن الضجيجيّة، في بعضها، لم يكن في الحقيقة إلاّ تنبيهاً على ضعفها فيها، وقلّتها في نسجها.

فقد رأينا أنّ نظام الإيقاع يقوم لدى امرئ القيس على حميميّة الذات، وجَوَّانيّة النفْس: دالاّ ومدلولاً، وشكلاً ومضموناً.

ولا نكاد نقول إلاّ بعض ذلك بالقياس إلى طرفة الذي تختفي في شعره الضجيجيّة من حيث تفغر الحميميّة فاهَا فيه. وقد كُنّا رأينا أنّ نظام النسج لديْه. ولدى امرئ القيس وعنترة أيضاً من كثير من الوجوه: هو من نظام الإيقاع. فكأنّ الدالّ إلاّ مادّة نغميّة لبناء الإيقاع. وقد كنّا رأينا، لديه، ذوبان النسج في الإيقاع ودلالته عليه، وإفضاءَه إليه. وقد كنّا رأينَا. في معلّقته ياءَ الاحتياز (ياء المتكلّم باصطلاح النحاة) إنما جاءت لتعبّر، طبيعيّاً، عمّا في نفسه، وصاحِبَيْهِ، امرئِ القيس، وعنترةَ: لتترجم ما في الوعي لديهم، ولتكشف عمّا في جوانحهم. فإنما الظاهر ترجمان للباطن، وإنّما النسج بلورة للمضمون، وإنما الدّال معادل للمدلول.

ثمّ إنّ الإيقاع الخارجيّ لدى طرفة، والمؤلَّفَ من صوت مكسور، والدالَّ في تمثّلنا القائم على معطيات التأويليّة: على ماض ذاهب، وزمن فائتٍ، وربما على حظ عاثر؛ وربما على غَبْنٍ قاهر: ينسجم انسجاماً عجيباً مع نسج الخطاب الذي ينهض، معظمهُ، على خفض أواخرِ السّمات الصوتيّة من وجهة، والحاق الخفض بياءِ الاحتياز، نتيجة لذلك، وتذويبه معها من وجهة أخراة.

ولمّا جئنا نقصّ طبيعة الإيقاع لدى طرفة لم نكد نعثر إلاّ على مظاهر قليلة وضعيفة معاً، في مجال الضجيجيّات. فكأنّ الحميميّة والذاتيّة هما اللّتّان تَطْغُوَان على الضجيجيّة الغائبة في معلّقته.

وأمّا طبيعة النسج لدى زهير فإنّ من العسير تصنيفها، بناءً على مانحن فيه، وذلك على الرغم من كثرة الألفاظ المنخفضةِ الأصواتِ، وذلك لقلّة المدلولات المنصرفة إلى الذات، أي لغياب الحميميّة عن معظم النص الذي أُنْشِئَ في معرض السرد: سَرْدِ أخبارٍ، وحكْيِ وقائع، وتصوير مآسِي الحروبِ الطاحنةِ التي تضرّمت بين قبيلتَيْ عبس وذبيان، إذْ تَوَسَّطَ في الصلح بينهما الكريمان السّخيان الماجدان: هرم بن سنان، والحارث بن عوف اللذان دَفَعَا ديات القَتْلَى : فحقنا الدماء بين القبيلتين، وأطفأا نار حرب ظلّت متأجّجة بينهما زمناً طويلاً.

فموضوع معلّقة زهير يتناول حادثة حروب عبس وذبيان، أساساً، فكان تصوير لويلات الحرب الضروس، ومدحا ضَافياً لِمَنْ حَقَنا نزيفَ دمها المسفوك. من أجل كلّ ذلك كان استعمال الصوت المنخفض للدّلالة على وقوع الحدث وانتهاء حَدْثَانه، ولكن بدون ربْطِه بالذات، وإِلْصَاقِه بالنفس، وَسلْكِهِ في الحميميّة: إذ كانت الغاية، من تلك الألفاظ المنخفضة: سرْداً لعالمَ خارجيّ ووصفاً له؛ لا إبرازاً لهموم في نفس الشاعر؛ فارتبط الخفض، خصوصاً، بالبكاء على الديار، وهي بكائيّة تكاد تكون ميكانيكيّة بحيث لا نعتقد أنّها تمثّل تجربة مع النساء شخصيّة، ولا تجسّد هوى قديماً في النفس، شأن امرئ القيس مثلاً. فكأنها كانت تعني تقليداً شعريّاً، كان أوماْ إليه امرؤ القيس، وكأنّ الذين كانوا يَخْرُجُون عنه، يخرجون عن السبيل السويّة التي كان الشعراء يسلكونها إذا هَمّوا بِقيِلِ الشعر...

وحين نتدرّج إلى متابعة الإيقاع لدى لبيد نلاحظ أنّ الميم المضمومة كأنّها تجسّد الحاضر، بينما الفتح الممدود: هَا صوت تكميليّ، إشباعيّ: كأنّ الغاية منه جماليّة خالصة، فهو هنا يشبه حرف السَّكْتْ، أو الوَقْف، اللاّحق لبعض الاستعمالاتِ الرفيعةِ النسجِ مثل الاسماء المنتهيَة بياء الاحتياز ( يدل أن ينطِق الناطِقُ مثلاً على الياء الساكنة في مثل كتابِي، يقف على هذا الاسم مقروناً بهاء السكت الجميلة فيقول: كِتَابِيَهْ)، ومثل بعض الضمائر عندما تورد للتوكيد (فلا يوقف على ماهي عليه في مقتضى الاستعمال العاديّ، غير الأدبيّ، ولكن يوقف عليها مقرونةً بهاء الوقف فيقال: "ماهِيَه"، وهلمّ جرّا...

بيد أنّنا نعترف بأن ذلك الإيقاع العجيب الذي سَلَكَ فيه لبيد معلَّقَتَه ليس عاديّاً، وليس أمراً ميسوراً على كلّ شاعرٍ فحلٍ، فكيف بِشُوَيْعِرٍ أو شُعرْور؟ فتلك الهاءُ التي كانت تأتي بعد الميم، والتي يخرجها العَروضيون قُصُوراً، من تركيبَة الإيقاع، وُظِفَتْ لأمريْن اثنيْن: للإيقاع وهذا منتظر معلوم، ووظّفت للدلالة التي نهضَتْ في نسج الكلام، على مدى طول المعلّقة، على تقديم علاقة لفظيّة تنهض عليها هذه الهاء، أو تعود عليها، كما يصطلح النحاة. خذ لذلك مثلاً قوله:

فَعَلا فروعُ الإيهقانِ وأطفلَتْ
 

 

بالجَلْهَتَيْنِ: ظِباؤُها ونَعَامُها
 

فـ: ظباؤها ونعامها اتّخذا موقِعَاً متمكِّناً من نسج الشعر في هذا البيت بحيث لو قال:

* بالجهلتين الظباء والنعام.

لكان الكلام غيرَ شعريّ من الوجهة الإِيقاعية على الأقلّ، وَلَفَقَدَ ذلك الإيقاع الغنِيُّ الرصين المكين، وخصوصاً حين يُثنَّى الأوّل بالثاني، ويردف السابق باللاّحق؛ فيتضاعف النغم، ويتزايد الرنين:

* ظباؤها ، ونعامها.

فكأنّ هذا البيت ينهض على ضربين اثنين، بتعبير العَروضّيين، لا على ضرب واحد: حيث تكرّر الثاني في الصورة نفسِها التي جاء عليها الأوّل فتضاعف الإيقاع، وتشابه علينا الأمر حتى لا ندري وإن كنّا دارين، أيهما الضربُ، وأيّهما غيرُ الضرْبُ؟

لقد كان اصطناع هذه الهاء الممدودة العجيبة يستدعي مَلَكَةً لغويّة غجريَّةً لكي يستقيم ذلك الإيقاع القائم على مقطعين صوتيّيين: آ+ مُها.

وإذا كانت هذه الهاء الممدودة، اللَّبِيْديِّة، لا تُمْثُّل دَلالَةً، ولا تجسّد وظيفةً صوتيّة بالقياس إلى العَروضيّين إذ يعدّون لبيد ميميَّةً، لا هائيّة، لأنهم لايعترفون، هنا بهذا الصوت، فهي في رأينا: الصوت، والدّلالة، والنسج، والإيقاع الكريم. إنها مصدر للجمال الطافح.

ونحن نعجب من العروضيّين، ولهم، كيف لا يعدّون إيقاع الهاء هو الإيقاع، مرتبطاً بماقبله؟ أرأيتُ أنّ الشاعِرَ لو أرادَ أن تكون قصيدتُه ميميَّةً، بسيطة القافية، لكان أنهاها بالميم (كما جاء ذلك زهير وعنترة مثلاً) واستراحَ، ولكنّه إنما أراد إلى إشباع الصوت بالصوت، وإغناء الإيقاع بالإيقاع؛ فأطرب وأعجب، وشنّف الأسماع بما أنشأ وأبدع.

فلإيقاع الهاء، في قافية معلّقة لبيد، أكثر من دلالة:

1- فمن الوجهة الجماليّة يُعَدُّ هذا الإيقاع عُذْرِيَّاً، غجريّاً، كأنّه يمثّل ينبوع العربيّة الأول، وعُنْفُوان صِباها، وجمال سَناها، فترداد هذا الصوت البديع معتمِداً على الميم لدى نهاية كُلِّ وِحْدةٍ إيقاعيّة يملأ النفس جمالاً، ويُفعِمُها بهاءً، فتَزْدَخِرُ بما تزدخر به من ضروب الأحاسيس اللطيفة التي تذوب عبرَ النفْس كلّها فتُحْيِي مواتها، وتوقظ سُباتَها.

فكما كنّا ألفينا هاءَ الوْقفِ في مثل قوله تعالى: ( هاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ) (8) - حين الوقوفٍ عليها أجملَ وأروع، وأحلى وأطلى، من الوقوف على "كتابي" فكذلك هَا هُنا. فهذه الهاء الممتدّة بالصوت إلى نحو الأعلى تُضفي على النسج الشعريّ رَوْنقاً بديعاً من العسير إمكانُ تفصيلِ القولِ فيه هُنا؛ والإلمام بكلّ عطّاءاته الجماليّة التي لا تَنْفَدُ، وينابيعه الفنّيّة التي لا تَنْضَب.

وكأنّ هذه الهاءَ الممدودة، هنا، ليست مجرّد ضميرٍ عائدٍ، ولكنّها هاءُ تنبيهٍ، وهاءُ تقريرٍ، وهاءُ إشباع للصوت، وهاءُ إِثراءٍ للنغَمِ الشعريّ الدافق.

2- ومن الوجهة الدلاليّة نلفي هذه الهاء ذات وظيفة نحويّة، إذا اشْتَاقَ وَهْمُنَّا إلى هذا المستوى، وليست مجرّد صوت ضائع في الهواء، إذ حين يقول لبيد:

* في ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غَمامُها*

نلفي هذه الهاء الرشيقةَ القامَةِ، الممشوقةَ القدِّ، النحيلةَ الخَصْرِ، المُسبطرَّة إلى العُلا: تنهضُ بوظيفة دلاليّة تتجسّد في ربط الغمَام بالليلة المظلمة ربْطاً عذرياً، متوحّشاً، يمنحنا انطباعاً بأنّنا نسمع العربيّة في حال نشأتِها الأولى؛ وكأنّها فتاةٌ تبدو لأوّل مرة للنّاس متبرّجة متزّينة، ومستحْييةً متخَفِرَةً.

ولو قال لبيد:

* في ليلة كَفَرَ الغمامُ نجُومَها

على الأصل فيما كان يجب أن يكون عليه النسج في الكلام المبتذل: لكان الفاعل سبق المفعول، ولمرق الكلام عن سَنن الإيقاع العامّ القائم على ضَمِّ يتلوه صوت متناغم مفتوح ممدود، كما كنّا لاحظنا بعض ذلك في المقالة التي وقفناها على نظام النسج في المعلّقات...

بينما قوله:

* في ليلة كَفَرَ النجومَ غَمامُها*

أ- حافظ على الإيقاع العامّ للقصيدة من الوجهتين الإيقاعيّة والبِنْيَويَّةِ جميعاً.

ب- وَكَّدَ العلاقةَ بين لفظيْن اثنيْن متجاوريْن: فلم يجعل تجاوُرُهما قائماً على مجرد المصادفة، وربما المناشزة، ولكنّه جعل هذا الحوار قائماً على التلاؤم والتشاكل حيث النجومُ عاليةٌ، والغمامُ عالٍ، بل ربط الليلةَ بالنجوم، والنجومَ بالغمام، في منظومة صوتيّة متواشجة عجيبة. فلا تكون النجوم إلاّ في الليل، ولا يَكْفُرُ النجومَ إلاّ الغمامُ، ولا يكون الغمامُ إلاّ فوقَنا، مَثلهُ مَثَلُ النجوم.

فالعَلاقة هنا دلاليّة، نحويّة، إيقاعيّة، تشاكليّة: إذ هناك الليلةُ التي تَعْنِي الظلام، والكَفْر (بالمعنى الجاهلِيّ، لا بالمعنى الإسلاميّ)، الذي يعني التغطية والتغشَية والتخفية (وفيه معنى الظلام) والغمام الذي هو غِطاء يقع بَرْزَخَاً بين أضواء النجوم فيشتدّ الظلام، ويُطْبقُ الدّيْجور.

وليس ينبغي أن يعزب عن خَلَدِنا، ونحن نصرفِ الوهمْ إلى مايمكن أن تَمْنَحُنَاهُ السيمائيّة، أنّ النجوم تشاكل الليلةَ لأنَّها لا تُضيءُ إلاّ فيها. فالتشاكل بين الأربعةِ عناصرِ عجيبٌ. ولكنّ الأجمل في كلّ ذلك والأدعى إلى الانبِهار والانْدِهَاش تَجْلّي هذه الهاء المشبّعة بالألف الممدودة التي تَوَّجَتْ كلّ هذه السلسلة من المُتشاكِلات اللفظيّة المتناغمة؛ فجعلتها نَغَمَاً عرائِسِياً معسولاً حين يتولّج في الذوق، ولذيذاً عجائبيّاً حين يُشنِّفُ السَّمع.

والصورة الليليّة هنا صورة بدائيّة، أو صورة، كما تعوّدت في هذه الدراسة أن أطلق، متوحّشة؛ أو صورة غجريّة: حيث لا نلفي في هذه الليل مصابيح منيرة، ولا قناديل مضيئة، بل ولا قمراً يتلألأ نورُه فيبعث على الأرض شيئاً من الأُنْسِ. بل إنه التوَّحُّشُ والبدائيّة. وإنها للحياة في صورتها الناشئة الأولى، على طبيعتها، الإنسان هنا غائب التأثير، فاقد التحكّم في الطبيعة، لأنّهُ عاجِزٌ عَنْ أَنْ يأتِيَ شيئاً يحوّل صورة الطبيعة في أصلها وتوّحشها. الليل والغمام والظلام والنجوم التي لا تبدو، فيتعطّل دَورُها في الإنارة لتمكّن الغمام من كَفْرِهِا وَتَخْفِيَتها.

ففي الأرض نجد الإنسان عاجزاً عن التغيير، فيخضع لسلطان الطبيعة المظلمة.

وفي السماءُ نُلفي الطبيعة عاجزةً، هي أيضاً، عَنْ أنْ تنهض بوظيفتها المقدّرة لها، فإذا نجومُها تعجز عن أن تؤدي وظيفتَها المتمثّلةَ في إنارة الأرض ليلاً، أمام عتو الطبيعة الأخراة الماثلة في انتشار الغمام الكثيف بين مواقع النجوم، وسْطح الأرض.

وَنَصِلُ إلى معلّقتيَّ عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة فنلفيهما تشكّلان معاً ما أطلقنا عليه ضجيجّية الإيقاع بحيث كأنّهما كانا يريدان إلى أن يَضْرِبا بالصوت، وإلى أن يطْعَنا بالحرف، وإلى أنْ يَقْذِفَا باللّفظِ الملفوظ. فكأنّ الدالّ لديهما سلاح آخر يضاف إلى سلاح السيوف والرماح والسهام.

وتتمثّل ضجيجيّة النسج في ضجيجية الإيقاع نفسه بحيث من العسير الفصلُ بين النظام النسجّي الذي يتّخذ له من عنصر نا، لدى عمرو بن كلثوم، مادّةً أساسية لنسج الكلام، ونتيجة لذلك: لتركيب ضجيجيّة الإيقاع الشعريّ؛ وبين النظام الإيقاعيّ الذي يتّخذ من هذا العنصر الصوتيّ نفسه أساساً لإغناء الإيقاع ونسج أنغامه.

ولقد اجتهدنا في أن نُحْصِّيَ مادَّة نَا، في معلّقة عمرو بن كلثوم، للاسْتِئْنَاسِ بحكمِ نُصْدِرهُ حوال هذه المسألة اللطيفة فعدّدْنَا من ذلك لايقلّ عن ثمانية وسبعين عنصراً ومائة عنصرٍ، يضاف إليها عنصر نحن الذي تواتَر في المعلّقة الكلثوميّة سبع مرات: ممّا يرقى بعنصر الصوت الجماعيّ إلى زهاء خمسة وثمانين عنصراً ومائة عنصرٍ.

يبقى أن نسجّل، للأمانة العلميّة، أنّ هناك في المعلّقة، نَاوَاتٍ، أَوْنَاءَاتٍ
(لا ندري ما يجيز النحاة منهما ومالا يجيزون ممّا نستعمله من هذه اللغة الجديدة...) لا تدلُّ، صراحةً، على ضمير الجماعة أمثال سَفِينا، ساجِدَينا، طِينَا، أجمَعِينَ، مُعْلِمَينَا... بيد أنها بالتوكيد لا تستطيع أن تمثّل ماينقض هذه القاعدة التي استنبطناها من نصّ المعلّقة، وما قد يفضي إلى فساد الحكم الذي قَضَينا به من جَلَبةِ ضجيجيّةِ الجَمَاعة، وضوضاءِ القبيلةِ، واصطخاب قَطِينِها وهم يتحرّكون في كلّ صَوْبٍ، وَيَرْكُضون في كلّ وجه.

ومن المزعوم لدى المؤرخين الأقدمين أنّ هذا النص الشعري أُنْشِئَ ارتجالاً، هو ونصّ الحارث ابن حلّزة اليشكريّ(9) على الرغم من أننا نرفض هذا المزعم، ولا نؤمن بالقدرة على ارتجال القصائد الطِوال، فقد يمكن أن يرتجل الشاعر بيتاً واحداً، أو بيتين اثنين، أو ثلاث أبيات... أمّا القصائد الطِوال فلا مناص له من التأمُّل والتفكّر، والاستيحاءِ والاستلهام، ولا مناص له من القُعود لها، والتأهّب لنسْجها بيتاً بيتاً... وإلاّ إذا كانوا يريدون بلفظ الارتجال إلى وقت قصير كأَنّ يكون يوماً واحداً أو يوميْن اثنيْن؛ فنعَم...).

وإذا حَكَمَ النقّادُ الأقدمون بارتجاليَّتها، وهم زاعمون، فكأنّهم كانوا يميلون إلى غِنَائِيَّتّها، أي إلى خِطَابِيّتها، أي إلى ضجيجيّتها، أكثر ممّا كانوا يميلون إلى شعريّتها، لأنّها لا تمثّل تجربة شاعرها، في مسألة حميمية تتمخّض لنفسه، وتخلصُ لقلبه، بمقدار ماكانت تمثّل تجربة قبيلته، على الرغم من أنهم كانوا يزعمون أنّ عمرو بن كلثوم قالها بعد قتله عَمْرُو بْنَ هندٍ(10).

ومن الآيات على جماعيّة الضمير في هذا الشعر، أو تمثيله تمثيلاً أميناً للجماعة التي كان ينتمي إليها، وهي قبيلة تغلب: أنّ بكراً كانت تعيّر تغلب باشتغالها بِتَرداد هذه القصيدة الكُلْثُّوميَّةِ في المحافل، وإنشادها في المآقط، والافتخار بها في المواقف، والكلف بها في المقامات، حتّى قال أحد شعرائها:

ألْهى بَنِي تَغْلِبٍ عن كُلِّ مَكْرُمةٍ
 

 

قصيدةٌ قالها عمروُ بن كُلْثُوم
 

يَروْونَها أبَدَاً مُذْ كان أوّلُهُم
 

 

يالَلرّجالِ لِشِعْرٍ غير مَسْؤُومِ(11).
 

ويبدو أنّ إعجاب العرب في صدر الإسلام بقصيدة ابن كلثوم، والقصيدة المناقضة لها من بعض الوجوه، وهي معلّقة الحارث بن حلّزة، كان شديداً، فقد روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّه قال: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلّزة من مفاخر العرب..."(12).

فكأنّ قصيدة عمرو بن كلثوم كانت خطبة شعرية، أو شعراً خطابيّاً، من أجلّ كلّ ذلك غابت عنها الحميميّة التي نصادفها في معلّقة امرئ القيس، وطرفة، وعنترة، ولبيد، وربما زهير أيضاً في بعض المجازات، واحْتَضَرَتْ فيها الضجيجيَّةُ الجماعيّة، والأنَفَة القبَليّة، والحُمِيّة الجاهليّة؛ بكل ماتحمل هذه الأَلْفَاظ من معانٍ، فكأنها القصيدة الجاهليّة الأولى، من حيث روحُها، بحقّ، لا لِمَّا قال صاحبها:

ألاَ لاَ يجْهَلَنْ أحَدٌ عَلْينا
 

 

فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
 

ولكن لأنّ معظم ماورد في هذا النصّ هو فخر بالقبيلة، فخر لا يخلو من مبالغة تصل حدّ الادِّعِاء والمُنَافَجَة في كثير من أبياتها. وهي سيرة تمثّل سلوك أهل الجاهليّة من عدم ارعوائهم إذا افتخروا، وعدم اقتصادهم إذا تنافسوا في سَرْد المكارم، وَسَوْق المآثر.

ولم يكن ممكناً أن يَخْلُوَ هذا النصّ من هذه الضجيجيّة القبليّة التي تمثّل إباءَ القبيلة العربية الجاهليّة وقِيمَها، والحال أنّه قالَها في معرض الافتخار على القبائل العربيّة الأخراة، وخصوصاً القبيلة الغريمة بكر بن وائل، وتذكيرها بماكان لقبيلة الشاعر التغلّبيّ من عزّة قَعْساء. ومجد مُؤثَّل، وشجاعة خارقة، ومقامات في الحرب مشهورة، حتى لا يثبت الإهانة التي أراد ملك الحِيرة عمرو بن هند أن يلحقها بقبيلة تغلب في حال ما لو خدمت ليلى، أمّ عمرو بن كلثوم، هنداً أمّ عمرو بن هند، وناولتها الطَبق المشؤوم....(13). الذي أفضت حادثته إلى قتل الملك بسيفه.

لكنّ هذا الطَّبَقَ، من تصوّر آخر، لم يكن مشؤوماً، إذْ تلك الحادثة التافهة هي التي أفضت إلى إنشاءِ هذه القصيدة المِئِيَّةِ العجيبَةِ التي تمتلئ بالأصوات وتعجّ بالحركات، وتحفل بقعقعة السلاح، وتكتظّ باهتزاز الرماح، كما تحفل بوَسْوسة الخَلاخل، وَخَشْخَشَة الدّمالج، واحتجاج النساء على بعولتهنّ إنْ همْ لَمْ يَنْضَحُوا عنهنّ في الحرب التي كُنَّ يشاركنهم فيها بَقْوتِ الخيل وخِدْمَتِها...

إنّ الأصوات الحادّة تشكّل ضجيجيّة هذا النصّ. وضجيجيّته تشكّل إيقاعيَّتَه: داخلياً وخارجياً، وإيقاعيّته تشكّل امتداداً سطحياً لنسجه المتناغم.

وحين نتحدّث عن الضجيجيّة فإننا نَوَدُّ التوقُفَ لدى بعض السِّماتِ الصوتيّةِ التي تجسّد، من الوجهة المعجميّة، هذه الضجيجيّة. فلدى تقصّينا هذا الضَرْب من الضجيجيَّةِ المباشرة ألفيناها تَمْثُلُ في مظهرين اثنين:

الأوّل: وينصرف إلى الأصوات الحيّة مثل أصوات الكِلابَ، والإبل، والخيل، وممّا يتمثّل فيه قوله:

* وقد هرّت كِلابُ الحَيّ منا.

* فتصبح خيلُنا عُصَباً ثُبِينَا.

* عَشَوْزَنَةً إذا انقلبَتْ أَرَنَّتْ.

والآخر: وينصرف إلى الأصوات الشيئّية كقعقعة السلاح، ووسوسة الحُليّ، وجعجعة الرُّحِيّ، وسوائِها من الأصوات الضجيجيّة، مثل:

* بيوم كريهةٍ: ضرْباً وطَعْناً.

* متى ننقلْ إلى قومٍ رحانَا
 

 

يكونوا في اللِّقاء لها طِحِينَا
 

* نُطاعن ماتراخَى الناس عنّا
 

 

ونضْرِبُ بالسيوفِ إذا غُشِينَا
 

* تصفِّقُها الرياحُ إذا جَرَيْنا

* وماءُ البحرِ نملؤه سَفِينَا

* يَرِنُ خَشاشُ حَليْهِما رَنِينَا

وتمثّل هذه الأصواتُ المختلفاتُ المتناغمات امتداداً لضجيجيّة النصّ الذي آثر تسخير السمات اللفظيّة، وتسخير الجملة الكلاميّة التي تتشكّل منها هذه الألفاظ، ثمّ، تسخير كلّ ذلك في الإيقاع الشعريّ الذي اخْتَير راقِصاً ، مدوّياً متعالِياً، عنيفاً، فَخْماً: ليليق بالغضبة التي أراد الشاعر أن يصبّها في هذا النصّ الشعريّ العجيب في إيقاعه وموضوعه.

ونلاحظ أنّ الناصّ اختار الفتح الممدود في الرويّ إيقاعاً، وهو الإيقاع الذي قام على عنصرين اثنين أساسيّينْ، وهما مفاعلتن التي تتكرر مرتين اثنتين ليعقبها ميزان فعول لمحاولة التعديل من لَهَبِ الامتداد، وغُلواءِ الارتفاع، وفرط التصويت.

فلو اصطنع الشاعر إيقاعاً لا يَقُومُ على مفاعلتن من وجهة، ولا يعتمِدُ على الصوت المفتوح المائل نحو العُلا: نا من وجهة أخراة: لَخَشِينا أن لا يُفْضِيَ ذلك إلى التعبير، بصدق، عن الموقف الشعريّ، وعن الغضبّة القبَليّة، وعن العاطفة المتأججّة في النفس، وعن ذلك الامتعاض والمَضاضة الكامنْيْن في نفوس أبناء العُمومة: فكأنّ كلّ صوبٍ مفتوح مُمْتدٍ إلى الأعلى على هون ما - وقد أحصينا ماله صلة بـ نا فقط، فألفينا مالا يقلّ عن مائة وثمانية وسبعين إيقاعيّاً، كما سبقت الإيماءة إلى بعض ذلك، في هذه المعلّقة -مُعادِلٌ لصَرْخَةٍ، وكأنّ كل صرخة تكمن في داخلها صرخة أخراةٌ.

فكأنّ كلّ صوت مفتوح، إذن، يحمل غضبة، ويعبّر عن امتعاضة، ويجسّد مضاضة، وذلك إذا قرأنا الصوت المفتوح على أنه يُظاهِرُ المُصوِّتَ به على مَدِّهِ إلى أقصى الحدود الممكنة. فكأنّ كلّ صوت مفتوح، ممتدّ، مُماثِل صوتيّ (إقونة) حاضر، لصوت غائب.

ولدى انتهائنا إلى الحارث بن حلّزة، لاحظنا في إِيقاع معلّقته ضجيجاً وَعَجِيجاً، وصراخاً وصياحاً، وصهيلاً ونُوَاحَاً، ورُغَاء وعُواءً، ورَجَعا وحُداءً:

فلمّا

 

أصبحوا، أصبحت لهم ضَوْضاء
 

من منادٍ، ومن مُجيب، ومن تَصـ
 

 

ــهالِ خيلٍ: خلالَ ذاكَ رُغَاءُ
 

فالصوت هنا صوت الجماعة كلّها، والبشر والحيوانات، ومن الحيوانات: الخيل والإبل، فالضوضاء هنا شاملة، عامّة كأنها جزء من الحياة بكل صَخَبِها واضطرابِها، وعُنْفُوانِها وحَرَكَتِها. والذات، هنا، تذوب ذَوَبَانَاً كامِلاً في ذات العشيرة: فتمتزج بها، وتتعانق معها، فتشكّل لحمة واحدة تغيب فيها الحميميّةُ لتتجلَّى في حميميّة الجماعة، وضمير صوتها، ومتعلّق آمالها. من أجل كلّ ذلك يتغيّر نظام النسج الشعريّ، في معلّقة الحارث بن حلزّة، من اصطناع ياء الاحتياز التي كنّا رأيناها طاغية على النسج الشعري لدى المجموعة الأولى من المعلّقاتيين (امرئ القيس، وطرفة، وعنترة: خصوصاً): إلى نا الدّالّة على ضمير الجماعة، وعلى صوتها المتعدّد.

وقفد حاوْلنا أن نحصي مايرتَكِضُ هذا المُرْتَكَضَ، من باب الاستئِناس لا من باب الاطمئنانِ، فبلغنا به إلى ثمانِ وأربعين حالةً من حالات الضميرِ المتعدَّد، وذلك مثل:

* آذنَتْنا

* بعْدَ عهدٍ لنا.

* وأتانَا من الحوادث

* نعنى به.

* ونساء.

* إنّ إخوانَنا الأراقِمَ.

* يغْلُون علينا

* يخلِطُون البريءَ منّا.

* فرددناهم بطعن

* وحملناهم على حزم.

* وجبَهْناهم بطعن.

*وفعلنا بهم، كما عَلِمَ الله.

* وفككنا غُلَّ امرئ القيس...

بينما لم نكد نعثر إلاّ على ثماني حالاتٍ دالّةٍ على الحميميّة وردَ معظمُها في الطَلليّة مثل قوله:

* لا أراني.

* مَنْ عَهِدْتُ فيها.

* فأبكي.

* فتنوّرتُ نارَها.

غيرَ أنِّي...

* قد أستعين

* أتلهَّى بها الهواجر...

والحقّ أنّ هذه المسألة معروفة في النقد العربيّ، وأنّ الدارسين المحدَثين لاحظوا هذه الظاهرة الصوتيّةَ القائِمَ إيقاعُها على التماسِ الضجيجيّة، ونحن إنما كان لنا التفصيل والتحليل والبَلْوَرَة. أرأيتَ أنّ أستاذنا المرحوم الدكتور البهبيتي كان لاحظ، منذ عهد بعيد، أنّ "الحارث سيد شعراء الجاهليّة جميعاً في القدرة الخارقة على استغلال موسيقى الألفاظ. تسمع لقصيدته فتخالها غناءً منطوقاً، تتالى نغماته رَهْوَةً في غير عُنْفٍ أو قَسْر"(14).

وعلى أنّنا نختلف مع الشيخ، رحمه الله، فيما يذهب إليه من رَهْويَّةِ الأنغام، ولُطْفِ الأصوات، إذ هو نفسه يتابع نصّ الحارث بن حلّزة فيلاحظ تكاثر حروف بأعيانها مثلي السين والصاد(15)، وسَوَائِهمِا، من الحروف التي تُحْدِثُ قلقلة وصفيراً. وتلك الحروف لا تدلّ على مايذهب إليه الشيخ أوّلاً، بمقدار ماتدلّ على حدّة الضجيج الدّالّة على شدّة الحرقة، وعمق الأسى، وبالغ المضاضة.

إنّ الأصوات الواردة في إيقاع الحارث بن حلّزة لم تأتِ من أجل الزينة الشعرية فحسب، ولكنها جاءت لتنهض بوظيفة تتلاءم مع مضمون النص، وتتواكب مع أحداثه ومناسبته، فهي قصيدة حرب، أو قصيدة أنشئت في ظروف حرب، وماكان ينبغي لمنشئها أن يتّخذ لها لغة مرقِسِيَّةً جمالُها يكمن في حميمية اللغة، ووصف المشاهد الناضرة، وسردْ الحكايات عن النساء الفاتنة، كان الحارث يتحدث باسم القبيلة، قبيلةِ بكر، وكان يردّ على مزاعم عمرو بن كلثوم، وكان محكوماً عليه بأن يرقى، على الأقلّ، إلى مستوى قصيدته، وإلاّ لاكان هو، ولا كانت قصيدته، ولا قبيلته، فكأنّ المسألة وُجُوديّة، أو كأنها، على الأقلّ، منصرفة إلى إثبات الكرامة، كرامة النفس أوّلاً، وكرامة القبيلة آخرا.

إنّ عمرو بن كلثوم ذاته يصطنع، كما كنّا رأينا، إيقاعاً راقصاً غاضباً حانقاً حتى يتلاءم مع مناسبة مضمون المعلّقة، ولم يكن ممكناً أن لايأتي الحارث بن حلّزة إلاّ بعض ذلك. وإذن فلا يمكن فهم إحدى المعلّقتين الاثنتين إلاّ بقَرْنِ الأولى بالأخراة، والموازنة بينهما على المستويين: المضموني، والإيقاعي الْمَعَا.

إنّ النسج في معلّقة الحارث ضجيجيّ، خطابيّ، جماعيّ، تبرزُ فيه جماعة القبيلة، ويطفو ضميرُها، من خلال أَحَدِ أفرادها، بل من خلال أحد شعرائها الناطقين باسمها، والناضحين عن شرفها، والمعتزّين بمجدها وسُؤدُدِها، والمعتزّين إلى عُتورها وجُرثومتها؛ ذلك بأنّنا، وعلى نقيض ماكنّا انتهينا إليه بالقياس إلى معلّقات امرئ القيس، وطرفة، وعنترة، لم نُلْفِ إلاّ...الثمانِي، الأحوالِ النابعةَ من الذات، ومن النفس - والتي كنّا أثبتناها في بعض هذه الفقرة من البحث؛ بينما نلفي مالا يقلّ عن ثمانٍ وأربعين حالاً (ضمائر ومافي حكمها) تجسّد ضمير الجماعة ومعشر القبيلة.

فذات الشاعر، هنا، تكاد تكون مفقودة، فكأنّها ذابَتْ في سَوائِها، وتلاشت في شخصيّة القَبيلة مَثَلُهَا مَثَلُ ذاتِ عمرو بن كلثوم في معلّقته.

وكأنّ الحارث بن حلّزة سابَقَ الحدث، حدث مقتل عمرو بن هند وافتخار عمرو بن كلثوم -وهو الحدث الذي كان نتيجة للحروب الطاحنة التي تضرّمت بين بكر وتغلب - فبَكَّتَهُ تَبْكِيْتَاً، وكأنّه أراد أن يحاجّه بجنس سلاحه الذي سيكون لدى عمرو بن كلثوم فخراً بالقبيلة، وَتَعداداً لأمجادها، وَتَغَنيّاً بمكارمها، وتذكيراً بأيّامها المتجسّدة خصوصاً في الشجاعة الخارقة حين الهجوم، وحين الدفاع، وفي الكرم الفائق لدى إلمام الضيفان، وفي كثرة العدد لإمكان إمداد الحرب بالرجال.

وإذا كان ضميرُ الجماعة، أقلّ وروداً، في معلّقة الحارث بن حلّزة بالقياس إلى معلّقة عمرو بن كلثوم، فإنّ ذلك ماكان له ليغيّر من الحكم فَتِيلاً، طالما هذا النّصّ تهيمن على نسجه هذه الظاهرة: فثمانُ وأربعونَ حالاً من ضمير المتكلم الدالّ على الجماعة، مقابل ثمانٍ فقط من ضمير المتكلّم الدالّ على الذات إنما يدلّ، كما أسلفنا القيل، على الحضور القويّ للجماعة على حساب الأنا. فـ أنا غائب أو شبه غائب من معلّقة الحارث بن حلّزة، لأنّ أنا الشاعر لا يعني شيئاً ذا بال خارج نظام القبيلة وشرفها وعاداتها وتقاليدها، وهو غائب لأنّ الغاية من نسج النّصّ لم تكن سرداً لحدث مضى وانقضى، ولا لحدث ذي صلة حميمية بالآخر خصوصاً (والآخر هنا هو الأجنبيّ عن القبيلة): لم ينشأ نصّ القصيدة، إذن، ( ولا نريد أن نعود إلى خرافة الارتجال التي تحدّث عنها الأقدمون بشيء من الثقة (16)، فذاك أمر، في تقديرنا، غير وارد، وشأن غير ثابت) من أجل سرد وقائع الآخرين، وحكي حوادث الأباعد غير الأقربين، ولكنه كان تجسيداً لواقع القبيلة في حاضرها، ولموقف الجماعة المنتمي الشاعرُ إليها في راهنِها، أساساً.

أمّا الماضي فلم يكُ إلاّ شاحباً. وكأنّ هذا الشحوب كانت شفويّة المجتمع الجاهليّ الذي ينهض، أساساً، على الرواية، وعلى النقل السائر بين الناس لأخبار الحوادث والأيام: تقتضيه. ولا ريبَ في أنّ مِثْلَ هذا الصنيعِ كان يقضي بذهاب كثير من الأحداث وفنائها. مع فناء الرجال وذهابهم.

إنّ التعلق بالماضي لم يكن، هنا، ممكناً، لأنّ الإمكان، منصرفٌ إلى شأن القبيلة في حاضرها، وإلى حلّ مشكلة سياسيّة بين ملك الحِيرة، وعمرو بن هند، من وجهة، وبين قبيلة بكر (المنتمي إليها الحارث بن حلزّة)، وقبيلة تغلب (المنتمي إليها عمرو بن كلثوم)، من وجهة أخراةٍ فلم يكن ذِكْرُ الماضي، إذن، والحال هذه إلاّ من باب التذكير ببعض ماكان لا يبرح باقياً، أو مرويّاً، من أمجاد القبيلة وسؤددها، وإلاّ من باب الاستناد إليه لرسم الحالِ الراهنةِ، والسيرة القائمة.

وإذنْ، فلا الماضي كان موضوعاً لنصّ معلّقة الحارث، ولا الذاتُ الفرديّة أيضاً كانت له موضوعاً؛ ولكن كان الحاضر من وجهة، والذات الجماعيّة، إن صحّ مثل هذا الإطلاق، من وجهة أخراة: هما اللّذان كانا موضوعاً له، ومحوراً يضطرب حَوالَه.

من أجل كلّ ذلك لم نُلفِ الضمائر الاحتيازيّة الذاتيّة وخصوصاً ياء الاحتياز (ياء المتكلّم): تَطْغُو على نسج هذا النصّ فتحوّله إلى الماضي الذي كنّا زَعمْنا أنّ الأصوات المنكسرة أولى لها أن تكون به أَلْيَقْ، وله أَنْسَبَ. لقد غابت ظاهرة الأصوات المنكسرة (وهي سيرة تمثُلُ بقوة شديدة لدى امرئ القيس، وطرفة، وعنترة)، ليحلّ محلّها صوت مفتوح ممدود ينتهي إلى صوت مضموم مقطوع. وكأنّ الفتح يعني دفْعَ الشِّكَاةِ إلى الخارج، والتخلّص من مُعاناتها، في حين أنّ صوت الهمز المضموم، قد يدل، في منظورنا على الأقل، على محاولةٍ لتحويل الحاضر إلى مستقبل، أو قل إنه تطلّع إلى التخلّص من عناء القبيلة وما ألمّ عليها. فالمدّ المفتوح، يسمح ببثّ الشكوى وإِخراجها وإبعادها إلى أقصى حيز ممكن، فكأنه بكاءٌ، أو كأنّه نِداء، أو كأنّه شكوى، أو كأنّه بثّ من الداخل نحو الخارج. بينما يأتي صوت الهمز المضموم مختَتماً منغومة الأصوات، داخل البيت، ثمّ داخل القصيدة كلّها، ومجسّداً لقطع تلك الشكوى، والتخفيف من حِدَّة النداء، والتقليل من غلواء الضَّيم الذي ألمّ بالقبيلة التي طولبت بالطوائل، وحُمِلّت بما لا طاقة لها به، واتّهمت بالجرائر التي لم تقترفْها، ورُمِيَت بالجنايات التي لم تجتَرِمْها، وذلك بناءً على مضمون المعلّقة الحارثيّة نفسها.

فالصوت المفتوح الممدود الواقع قبل حرف الرويّ كأنّه تجسيد لمعاناة القبيلة، وتذمّرها، وتشكّيها. بينما الصوت المضموم (الروّي) يجسّد الفخر والاعتزاز والشموخ والتعالي).

إحالات

1- عبد الملك مرتاض، 1-ى، ص . 143. ومابعدها.

2- UMBERTO ECO , Les limites de linterpretation , p. 30-31.

3- Ibid, 21-22.

4- ID., 30-31.

5- ID. , P 29-30.

6- الزوزنّي، شرح المعلّقات السبع، 28، القُرشي، جمهرة أشعار العرب، 44.

7- أبو الحسن حازم القرطاجنيّ، منهاج البلغاء، وسراج الأدباء، 205.

8- سورة الحاقّة، الآية: 19.

9- أبو الفرج الأصبهاني، الأغاني، 11. 37. 38.

10- م.س. 11 ،48-49

11- م.س.، ابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 159-160 مع اختلاف طفيف في الرواية.

12- البغدادي، خزانة الأدب ولبّ لُباب لسان العرب، 1. 520 (ط. بولاق).

13- الأصبهاني، م.م.س.

14- نجيب محمد البهبيتي، تاريخ الشعر العربيّ، حتّى آخر القرن الثالث الهجريّ، ص. 60 (ط2)

15- م.س.، ص . 61.

16- ابن قتيبة، م.م.س، 1. 127.

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com