دراســـــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998



المستوى الثاني: التناصّ المضموني
بعد أن تحدّثنا، في الفقرة السابقة من هذه المقالة، عن التناصّ اللفظيّ في المعلّقات السبع، وخصوصاً في مطالعها، نتناول الآن، بشيء من التحليل ما أطلقنا عليه "التناصّ المضمونيّ وعلى أنّ هذا الضرب من التناصّ قد يتوسّع إلى التناصّ النسجيّ أيضاً.
ونعرض، فيما يلي، أنموذجات لذلك.
1- العين والآرام ومافي حكمهما:
1- ترى بَعْرَ الارآمِ في عرصاتها (مق).
2-بها العِينُ والأرامُ يَمْشِيَن خِلْفَةً وأطلاؤُها يَنْهَضْنَ من كُلِّ مَجْثَمِ(ز)
3- والعينُ ساكنةٌ على أطلائها (ل).
2- الديار والرسوم والبكاء والحيرة والسمواد:
1-إنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهرَاقَةٌ فهل عند رسْم دارسٍ من مُعَوَّلِ؟ (مق).
2- فوقفْتُ أسأَلُها وكيف سؤالُنا صُمَّا خَوالِدَ ما يَبينُ كَلاَمُها؟(ل).
3- لا أَرَى مَنْ عَهدْتُ فيها فأبْكي الـ ــيوم دَلْهاً: ومايُحيرُ البُكَاءُ (ح.ح)
3- الشاعر في وجه من الأرض، وحبيبته في وجه آخر منها:
جاءت فكرة هذه التناصَّةُ التي لَهِجَ بها كثير من الشعراء الجاهليّين، ومنهم شعراء المعلّقّات من أصل بيتِ امرئ القيس الشهير من مطوّلته المعروفة:
تنوَّرْتُها من أذْرِعاتٍ وأهلُها بيَثْرِبَ: أدنى دارِها نَظَرٌ عَالِ
فنسج على ذلك من بعده آخرون أمثال:
1- مُرِّيَّةٌ خَلَّتْ بِفَيْدَ وجاوَرَتْ أهْلَ الحِجَازِ: فأَيْنَ مِنْكَ مَرامُها؟ (ل).
2- وتحلّ عبْلَةُ بالجَواءِِ وأهلُنا بالحَزْنِ فالصَّمانِ فالْمُتَثَلَّمِ
كيف المزار وقد تربّع أهلها بعُنيزَتَيْن وأهْلُنا بالغَيْلَمِ؟(ع).
3- بَعْدَ عَهْدٍ بِبُرقَةِ شَمَّا ءَ: فأدْنَى دِيَارِها الخَلْصَاءُ
فتنوّرت دارَها من بعيد بِخَزازى ، هيهات مِنْكَ الصِّلاءُ(ح.ح).
4- ملاحقة الموت للإنسان:
1- لَعَمْرُكِ إنّ الموتَ ما أخْطَأَ الفَتَى لكالطِّولِ المُرْخَى وثِنْياهُ بِالْيَدِ (ط).
2- رأيْتُ المَنْايا خَبْطَ عَشْواءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ، ومَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهرَمِ(ز).
3- إنّ المَنَايا لا تَطِيشُ سِهامُها(ل).
5- التحمّل والارتِحال:
1- كَأنَّي غداةَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ(مق)
2- تَبَّصَرْ خَلِيليَّ هل ترى من ظَعائِنٍ تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ مَنْ فَوْقِ جُرْثُمِ(ز).
3- شاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ حين تحَمَّلوا فتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيامُها (ل).
6- الوقوف على الديار:
1- قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ (مق).
2- فوَقفْتُ أسألها وكيف سؤالُنا؟ (ل).
3- قِفي قبل التفرُّقِ يا ظَعِينا (ع.ك).
7- الوشم ولمع اليدين:
1- كلَمْعِ اليديْنِ في حَبِّي مُكلَّلِ (مق).
2- تلوح كباقِي الوَشْمِ في ظاهرِ اليد(ط).
3- مراجِيعُ وَشْمٍ: في نواشِرِ مِعْصَمِ(ز).
4- أو رْجع واشمةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها كِفَفاً تَعَرَّض فَوْقَهُنَّ وَشامُها(ل).
8- الاستعانة على الهمّ، وقضاء اللّبانة، بركوب الناقة:
1-
وإنّي لأَمضي الهَمَّ عند احضاره بِعَوجاءَ مِرْقَالٍ تروح وتَغْتَدِي(ط)
2- فبتلك إذْ رَقَص اللوامِعُ بالضُّحَى (......).
أقضي اللُّبانَة لا أُفَرِطُ ريبَةً (ل).
3- غيرَ أنِّي قد أستعينُ على الْهَمِّ (....)
بِزَفوفٍ كأنّها هَقْلَةٌ... (ح.ح).
وهناك تناصّات نسجيّة طوراً، ومضمونيّة طوراً، ونسجيّة مضمونيّة طوراً آخر: تنهض على التناصّ الثنائيّ بحيث نلفي معلّقاتيّاً ناصّاً، ومعلّقاتِيَّاً آخرَ مُتناصاً معه، مثل:
1- التناصّ حول الكَشْح:
1- هصْرتُ بفوْدَي رأسِها فتمايَلَتْ عَليَّ هضيمَ الكشح ريّا المُخلخَلِ(مق).
ومَأْكَمةٍ يضَيقُ البابُ عنها وكَشْحَا قد جُنِنْتُ به جُنونا (ع.ك).
2-التناصّ حول القدّ الممشوق:
1- إذا ما اسبكرَّتْ بين دِرْعٍ ومِجْوَلِ (مق).
2- ومَتْنَيْ لَدْنَةِ سَمَقَتْ وطالَتْ (ع.ك).
3- التناصّ من حول الساقَيْن:
1- عليّ هضيمَ الكشح ريّا المُخلْخَلِ (مق).
2- وسارَيتَيْ بَلَنطٍ أو رُخَامٍ (ع.ك).
4- التناصّ حول الصرْم والفراق:
1- وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجْمِلي (مق).
2- إن كنتِ أزْمعتِ الفِراقَ فإنّما (ع).
5- التناصّ حول الوشم (وقد ذُكِرَ من قبلُ مقروناً بِلَمْعِ اليدين):
1- ودار لها بالرقمتيْنِ كَأَنَّها مراجيعُ وشْمٍ في نواشِرِ مِعْصَمِ (ز).
أو رَجْعُ واشِمَةٍ أُسفَّ نَؤُورها كِفَفاً تَعرَّضَ فوقهنُ وِشَامُها (ل).
6- التناصّ حول ظِباء وَجْرة:
1- بناظرِةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (مق).
2- زُجَلاً كأنّ نِعَاجَ تُوضِحَ فوقَها وظِباءَ وَجْرَةَ عُطّفاً أرْآمُها(ل).
7- النتاصّ حول الشجاعة والإقدام في ساحة الوغى:
ألا أيُّهذا اللاّئِمِي أحْضُر الوَغَى وأنْ أَشْهَد اللّذاتِ هل أنت مُخْلِدي؟(....).
وكَرِّي إذا نادَى المُضافُ مُحَنِّباً كَسِيدِ الغَضا -نَبَهْتَه- المُتَورِّدِ(ط).
2- هلا سأَلْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالِكٍ إن كنتِ جاهلةً بما لَمْ تعلمي (....‎)
ولقد شَفَى نفْسي وأذْهَبُ سُقْمَها قيلُ الفوارسِ: وَيْكَ عَنْتَرَ، أقْدِمِ(ع).
8- التناصّ حول الملامة والكفران بالنعمة:
1- فما لي أراني وابنَ عَمِّي مالِكاً مَتَى أَدْنُ منه: يَنْأَ عنّي، ويَبْعُدِ؟
يَلومُ وما أدري علامَ يَلومُني؟ كما لامني في الحيّ قُرْطُ بْنُ مَعْبَدِ(ط).
2-نُبِئْتُ عَمْراً غيرَ شاكرِ نِعْمَتِي والكَفْرُ مَخبَثةٌ لنفس المُنْعِمِ(ع).
9- التناصّ حول الشراب واللّهو:
1- فإنّ تبغِني في حَلْقةِ القوم تلفَنِي وإنْ تلتمسْني في الحوانيتِ تصْطَدِ
ومازال تَشرابي الخمورَ ولَذَتِي وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلَدِي(ط).
2- فإذا شرِبْتُ فإنَّني مسْتهِلُكُ مالي، وعْرضِي وافِرٌ لم يُكْلِمِ
وإذا صحوْتُ فما أقصِرُ عن نَدىً وكما عَلِمْتِ شَمائلي وتكرُّمي(ع).
10- التناصّ حول نقاوة الثغر وبريق الأسنان:
1- وتبسِمُ عن ألْمَى كَأنَّ مُنَوَّراً تخلَّلَ حُرَّالرملِ دِعْصٍ لَهُ نَدِ(ط)
2- إذ تستبيك بذِى غُروبٍ واضِحٍ عَذْبٍ مُقَبَّلُه، لذِيذِ المَطْعَمِ(ع).
11- التناصّ حول تَهتان الغيث على الدمن والرياض بالعشايا:
1- دِمَن (...)
رُزِقَتْ مرابيعَ النجوم وصابَها ودْقُ الرواعِدِ جَودُها فرِهامُها
من كلّ ساريةٍ وغادٍ مُدجن وعَشِيَّةٍ مُتجاوبٍ إِرزامُها (ل).
2- أو روضةً أنُفاً تَضَمَّنَ نبْتُها غَيْثٌ قليلٌ الدِّمْنِ ليسَ بمُعَلمِ
جادت عليها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فتركْنَ كُلَّ حديقةٍ كالدِّرهم
وسَحّاً وتَسْكابا فكُلُّ عَشّيةٍ يجري عليها الماءُ لم يَتَصرَّمِ (ع).
12- التناصّ حول الوقوف على الطلول بعد مضّي عدد من الحِجَجِ:
وقفْتُ بها من بعد عشرين حِجَّةً فَلأْياًعرفْتُ الدَارَ بعد توهُّمِ(ز).
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعدَ عَهْدِ أنيسِها حِجَجٌ خَلَوْنَ: حَلالُها وحَرامُها(ل).
13- التناصّ حول النُّؤْي:
1- أثافِيَّ سُفْعاً في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ ونُؤْياً كجِذْمِ الحَوْضِ لم يَتَثَّلمِ(ز).
2- عَريَتْ وكان بها الجميعُ فأبْكروا منها، وغودر نُؤْيُها وثَمامُها(ل).
******
المستوى الثالث: التناصّ النسجيّ
إنّا نلاحظ أنّ هذا المستوى من التناصّ يتعدّى فيه حدود الاستلهام والاستيحاء، إلى مايمكن أن نطلق عليه التناسج: بحيث نحسّ أنّ الآخر ينسج على منوال الأوّل، ولم يجتزئ باستلهام فكرته، ولكنْ جاوزها إلى محاكاة النسْج، ومقابسة الكلامَ، ومُنَاصَّةِ الخِطاب. والحق أنّ بعض ذلك قد يَمْثل فيما كنا أطلقْنا عليه التناصّ المضمونيّ حيث نُحِسّ، أطواراً، بتقارب المسافة بين المضمونين الاثنين إلى حدّ غياب الفروق، واختفاء الاختلاف، واحتضار التماثل. ونذكر طائفة من هذه التناصّات الثنائية، النسجيّة، فيما يلي:
1-وقوفاً بها صَحْبِي عَليَّ مَطِيُّهُم يقولون: لا تَهْلِكْ أسىً، وتَجمَّلِ (مق).
2- وقوفاً بها صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُم يقولون: لا تهلك أسىً، وتَجَلَّدِ(ط).
1- فظلّ العَذَارَى يرْتمين بِلَحْمِها(مق).
2- فظلّ الإماءُ يمتلِلْنَ حُوارَها(ط).
1- فلّما عرفت الدارَ قلتَ لرِبْعِها ألا انْعِمْ صباحاً، أيُّها الربْع، واسْلَمِ(ز).
2- يادارَ عبلة، بالجَواءِ، تكلَّمي وعمِي صباحاً، دار عبلة، واسْلَمِي(ع).
1- فلأيا عرفت الدارَ بعد توهّم(ز).
2- أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟(ع).
تحليل وتركيب
إنّ هذا الضرب من التناصّ الذي أطلقنا عليه التناًص المضمونيّ، وعقّبنا عليه بـ التناصّ النسجيّ يركض مثل صِنْوهِ الذي كنّا أطلقنا عليه التناص اللّفظيّ حول المحاور التي كنّا عرضنا لها بشيء من التحليل في الفقرة السابقة. وما يمكن ملاحظتُهُ أنّ هذا الضرب من التناصّ كان يقوم بين أربعة معلّقاتيّين على أقصى غاية، وقد تمثّل ذلك في الوشم، ولمع اليدين: حيث اشترك في هذا التناص: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد (ونحن نقضي بأنّ كلّ تناصّةٍ اشترك فيها امرؤ القيس، فمنطلق التسلسل الزمنّي أنّ الملك الضليل هو الناصّ، وأنّ الآخرين هم المتناصّون). ولا تكاد التناصّات الأخراة تجاوز ثلاثةَ معلّقاتيّين كما هو الشأن بالقياس إلى مُساءلة الرُّبوع والبكاء عليها، امرَؤ القيس، ولبيداً، والحارثَ بن حلّزة اليشكري، وفي التحمّل والتظعان: امرأ القيس، وزهيراً، ولبيداً، وفي الوقوف على الديار: امرأ القيس، ولبيداً، وعمرو بن كلثوم... أو اثنين من المعلّقاتيّين، كما يمثل ذلك في ظِباء وجرة: امرأ القيس، ولبيداً؛ والملامة والكفران بالنعمة: طرفة، وعنترة، والكشح: امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم؛ وطول قامة المرأة: امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم أيضاً، والصَّرْم والفِراق: امرؤ القيس وعنترة؛ ونقاوة الثغر وبريق الأسنان: طرفة، وعنترة وهلمّ جرّا...
وعلى الرغم من أنّنا لم نَأْتِ على كلّ حالات التناصّ المضموني والنسجّي معاً، ولم نستثمر كلّ ماكنّا رَصْدنا لدى قراءاتنا المتكرّرة لنصوص المعلّقات: فإنّ ما أثبتناه، هنا، على سبيل التمثيل، قبل كلّ شيء، يجعل من لبيد: المعلّقاتيّ الأوّل في شبكة التناصّ المضمونيّ والنسجيّ جميعاً؛ إذْ هو أكثرُ زملائه قابليَّةً للاتِصّالِ والتفاعل حيث نلفيه يشترك مع امرئِ القيس في سبعِ تناصّاتٍ، ومع زهير في سِتٍّ، ومع الحارث بن حلّزة في أربعٍ، ومع طرفة في ثلاثٍ، ومع عنترة في اثنتين، ومع عمرو بن كلثوم في تناصّة واحدة فَقَط.
ونحن نعتقد أنّ لبيداً كان متناصّاً مع امرئ القيس، محاكياً له، محتذِياً حَذْوَه، وأنّ التناصّات التي تواترت لديه تمثّل موضوعاتُها الاهتمام الأوّل في نشاط أولئك المعلّقاتيّين الذين كانوا يضطربون في مُضْطَرَبٍ واحد؛ فكأنّهم وجوهٌ سبعةٌ لشخصيّةٍ واحدةٍ، أو كأنّهم صوت واحد لسبعة على الرغم من أنّنا كنّا قررنا، في غير هذا الموطن، أنّ أولئك السبعةَ تقوم بِنْيَاتُ قصائِدهم، لدى نهاية الأمر، على بنية واحدة ثلاثيّة تتشكّل من : 1+ب+ج: بحيث نلفيهم يتفقون في بنية (1) (مطلع المعلّقات)، ثمّ يختلفون في بنيتي (ب) و(ج).
ولا يعني مثل هذا السلوك الشعريّ، في رأينا، إلاّ أنّ المعلّقاتيّين كانوا يمثّلون مايمكن أن نطلق عليه ثُرَيَّا شِعْرِيَّةً لم يَلْحَنْ لها ناقِدٌ، فيما قرأناه، من قبل. ولم تَكُ تلك المدرسة الشعريّة العربيّة الأولى، في تاريخ الأدب العربيّ، مجرّدَ اتفاق عابرٍ كان يقع بينهم عفو الخاطر، فلا ينبغي أن يقول بالعفويّة الفنيّة إلا ساذَج؛ ولكنها كانت نشاطاً شعريّاً ينهض على أُسُسٍ فنيّة يَنْسُجُ على مِنْوالها: الّلاَّحِقُ السابِقَ. وإلاّ فَمِن السذاجة الساذّجة، والغفلة الغافلة: أنّ يذهب ذاهب إلى أنّ التناصّ الذي حدث، مثلاً، في مطالع المعلّقات كان مجرّد اتفاق، أو كان مجرّد تقليد ساذَج ينسج على منواله اللاّحق السابق، دون شيء من الوعي الفنّيّ.
والتناصّ الذي توقّفنا لديه، بأَضْرُبِهِ الثلاثةِ، إِنْ أمكنه أن يَكْشِفَ عن شيءٍ فإنما قد يكشف عن مدرسيَّة قصائِد المعلّقات، ومذهبيّتها الفنّيّة لأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربيّ إطلاقاً.
******
المستوى الرابع: التناصّ الذاتيّ
إنّا لا نريد أن نَحْمِلَ الناس على أن يتّفقوا معنا في تقبل صياغة هذا المصطلح الذي يمكن أن يتناول مضمونه تحت عنوان آخر، أو حتّى تحت عُنوَاناتٍ أخراة، ونقصد به إلى هذا التكرار الذي يحدث لدى ناصٍ واحدٍ، عبر قصيدته أو قصائده، من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر.
ويدلّ مثل هذا الصنيع على الاحترافيّة النسجيّة، أو على مايمكن أن نطلق عليه ذلك، أي يدلّ على أنّ الشاعر لكثرة مانسج من نسوج كلاميّة تكوَّنَ لديه مايشبه الأسلوب الذي يلازمه ولا يزايله، ويفارقه ولا يفارقه.
وقد ألفينا شيئاً من هذا التناصّ الذاتيّ لدى امرئ القيس، ولعله أن يكون أكثرهم اصطناعاً لهذا الذي نطلق عليه التناًص الذاتيّ؛ وذلك بخمس تناصّات، ثمّ لدى لبيد، وعنترة والحارث بن حِلّزَة اليَشْكُريّ، أمَّا عمرو بن كلثوم فيمكن عدّ "أنَّوَاتِه" (اجتهاداً منّا في جمع "أنَّا"): تناصّاً ذاتِيّاً، مثلُّها "نَحْنُ" الذي تكرّر لديه، هو أيضاً، مُرُوراً.
ويمكن أن نُسَوَقِ نماذِجَ من هذه التناصّاتِ الذاتيّة لدى بعض هؤلاء المعلّقاتيّين:
مق:
1- كأنّ دماءَ الهادياتِ بنحرهِ
فألحقنا بالهادِيَاتِ ودونه
2- ألا رُبَّ يومٍ لك منهن صالح
ألا ربّ خصْم فيك ألْوَى رددْتُه
3- ويوم عقرْتُ للعذارَى مَطَّيتي
ويوم دخلتُ الخِدْرَ: خِدْرَ عنيزة
4- تُضيءُ الظلام بالعِشَاءِ كَأنّها مَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ متَبتِّل
يُضيءُ سناهُ أو مصابيحَ راهِبٍ أمالَ السليط بالذُّبالِ المُفَتَّل
وإذا جاوزنا إطار المعلّقات ألفينا امرأ القيس يتناصّ مع نفسه مُرُوراً مختلفاتٍ، مثل تناصِّه التالي:
5- قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حبيبٍ ومنزلِ
قِفَا نَبْكِ من ذِكرَى حبيبٍ وعِرْفَانِ(24).
ونلاحظ أنّ هذه التناصّات الذاتيّة لم تحدث على مستوى المضمون فَقَط، ولكنها وقعت على مستوى النسْج اللفظيّ نفسِه، إذ التناصَّةُ الأوْلى تقع من حول الفرَس، والثانية والثالثة من حول المرأة، والرابعة تشترك فيها المرأة والبرْق، والخامسة تَجُرُّ ورَاءها شبكةً معقَّدةً ومتداخلة من التناصّات الواقعة من حول الوقوف، والبُكْى والذكرى، والحبيب. وهي أغنى التناصّات وأكثرها تشابكاً مع سَوائِها، وتأثيراً في غيرها، في العصور اللاّحقة.
وأمّا لبيد بن أبي ربيعة فقد تناصّ مع نفسه، عبر معلّقته، خمس مرّات أيضاً، ولكن بعبارة واحدة مسكوكة بدون تغيير ولا تبديل، وهي: "حتّى إذا..." التي تواترت على هذا النحو:
1- حتى إذا انحَسَرَ الظلامُ وأَسْفَرتْ
2- حتّى إذا يَئِسْتْ وأَسْحَقَ حالِقٌ
3- حتّى إذا يَئِسَ الرُّماةُ، وأرسَلُوا غضفا...
4- حتّى إذا ألقَتْ يَداً في كَافِرٍ (ليل).
5- حتّى إذا سَخِنتْ وخَفَّ عِظَامُها
ولمعترِضْ أن يَعُدَّ مثل عباراتِ لبيد في بابِ التكرار، لا في باب التناصّ، والذي يجيء ذلك، أو يذهب إليه، أو يتعلّق به، يكون كمن وقع فيما فرّ منه. أرأيت أنّ التناصّ، في حقيقة شكله وجوهره، ليس إلاّ تكراراً، أو ضرْباً من التكرار: إمّا بلفظه، وإمّا بنسجه، وإمّا بمعناه، وإما بهما جميعاً، وإمّا بالتضّادِ والاعتراض... وفي كلّ الأطوار لا يستطيع أن يمرُقَ من جِلدهِ، ولا أن يتنكّر لوضعه، فيخرج عن دائرة التكرار، بالمفهوم التقليديّ لتجلّيات الكلام. ولو حقّ لنا أن نُعِيدها جَذعَةً، كما تقول العرب، فنُطْلِقَ مَعْنَى "السَّرِقَة" على هذا الضرْب من النسج لقلنا: إنّ لبيداً، هنا، سَرَقَ من نفسه، وَسَطَا على حُرّ نسج شعره. ولكنّ الحداثيّين تحاشوا اصطناع اصطلاح السرقة لما في معناها من إدانة أخلاقيّة للأديب، أوّلاً، ثمّ لما فيها من يقينيّة الحكم باطّلاع الآخِرِ على ماقال الأوّل -وهو أمر غير ثابت بالدليل القطعيّ في كلّ الأطوار، وتلك نقطة الضعف المهينة في وضع مايسمّى الأدب المقارن -ثانياً، ثم لِمَا فِيها من تهجينيّة المتناصّ إذا صَرفوه إلى التكرار (كما هو الشأن بالقياس إلى مانحن فيه، والذي تجّنبنا، متعمّدين، اصطناع التكرار لما فيه من إساءة إلى الناصين والمتناصّين معاً) آخِراً.
ويمكن أن نُنصف لبيداً فنقرّر أنه صرّف هذه التناصّات الذاتيّة مصارِف مختلفة من النسوج المعنويّة حيث يبتدئ متناصّاً، وينتهي غير متناصّ.
وأمّا عنترة فقد تناصّ، هو أيضاً، مع نفسهِ، في معلقّته، مرتين اثنتين على الأقلّ، وذلك حين يقول:
1- سَبَقَتْ يَدايَ له بعاجلٍ طعْنَةٍ
جادَتْ له كَفِيّ بِعَاجِلِ طعْنةٍ
وحين يقول أيضاً:
2-(.....) فلقد تركت أبَاهُما جَزَرَ السِّباع وكل نَسْرٍ قَشْعَمِ
فتركْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ
وإذا كانت تناصّات امرئ القيس اضطربت، في معظمها، حَوَالَ جماليّة الحيز، وجماليّة الزمن (مثول الذكرى السعيدة في الأيّام الخَوالي)، وجماليّة المرأة، وجماليّة الفَرَس، ثمّ إذا كانت تناصّاتُ لبيدٍ سَلَكَتْ مسالِكَ مختلفاتٍ، ولكن في غير الفَيْض الجماليّ: فإن تناصَّتَيْ عنترة لم تَمْرقا عمّا كان يُفْعِمُ نَفْسَه، ويملأُ روحَه، وهو لَهَجُهُ بتصوير سُلوكه حين كان يطعن الأبطال، ويجندل شجعان الرجال، وهما تناصّتان في غاية من البشاعة، بالقياس إلى ذوقنا العصري، حيث الطعنُ والقتل، وحيث سَفْكُ الدماء البشريّة، وحيث جُثَثُ الناس تَنُوشُها السِّباعُ، على حدّ تعبيره، وتلتهمها الجوارح. لكنّ هذا الشيء الذي نراه نحن، على عهدنا هذا، بشاعةً فتقزّز منه نفوسُنا، وتشمئز منه أذواقُنا، كان لدى القدماء مفخرةً من المفاخر، ومأثرة من المآثر. وأيَّاً كان الشأنُ، فلا شيء أعجب، ولا أَبْشَعُ، ولا أَشْنَعُ، ولا أسمج، من عَدِّ قتلِ الناس شرفاً يرتفع به الذكر، ومجْداً يَقْعَنْسِ به السِّمْعُ.
على حين أنّ الحارث بن حلّزة تناول معنيين اثنين مختلفيّن في التناصّتيْن اللتين اسْتَبَانَتَا لنا أثناء قراءتنا لمعلّقته، وذلك حين يقول:
1- (...) ببُرقَة شَمَّا ءَ: فأدنى دِيارِها الخَلْصَاء
(...) قبّة مَيْسُو نَ: فأَدْنَى دِيَارِها العَوْصَاءُ
وحين يقول:
2- أيّها الناطقُ المرقّشُ عنّا عند عمَروٍِ، وهل لذاك بَقاء؟
أيّها الناطق المبلّغ عنّا عند عمرو، وهل لذاك انتهاءُ؟
ولعلّ القارئ أن يلاحظ معنا أنّ الحارث بن حلّزة تناصّ مع امرئ القيس تناصّاً معنويّاً في التناصة الأولى التي تناول فيها المرأة، بينما يختلف عنه في الأخراة حيث يتناول شأناً آخر من المعنى.
وعلى أنّه لا ينبغي لأحد أن يعتقد أننا أرْدنا من هذا الإحصاء والشمول، وإلى الاستقراء والاستيعاب؛ ولكننا أردنا من بعض هذا إلى رسم صورة نسجية لهذه النصوص المعلّقاتيّة دون أن تكون غايُتُنا، في أيّ طور من أطوار سعينا، الانتهاء إلى استيعاب المُطْلق، ولا إلى بلوغ الغاية مما كنّا نريد...
******
إحالات وتعليقات
1- نشرت لنا مقالة، أخيراً، في مجلة "قوافل"، بالرياض تحت عنوان:"بين التناصّ والتكاتب: الماهية والتطور: ع.7، السنة الرابعة ، 1417، حاولنا أن نعيد النظر في المفهوم الشائع وهو التناصّ الذي أصبح عامّاً جداً، بينما التكاتب يتمخّض لتبادل التفاعل بين الكتابة، والكتابة الأخراة، أو بين كاتب وكاتب آخر.
2- عبد الملك مرتاض، مقامات السيوطي: المستوى التناصّيّ، ص.33-36، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1996.
3- عبد الملك مرتاض، فكرة السرقات الأدبيّة ونظريّة التناص، علامات، جدة، ج1، م1، 1991 ،
4 - الجاحظ، الحيوان، 3. 311.
5- تراجع المقالة التي وقفناها على الحديث عن "بنية الطليّات في المعلّقات".
6- إشارة إلى قوله:
عوجا على الطَللّ المُحيل لعَلَّنا نبكي الديار، كما بكى ابنُ حُمامِ
وقد روى اسم ابن حمام، تحت أسماء مختلفة متقاربة المرفولوجيا مثل ابن حزام، وابن خزام.
7- ابن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، ص. 456، وانظر محمد عبيد، مجلّة كلّيّة الدراسات الإسلامية والعربيّة، ع.10، ص. 279-288.
8- ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، 1. 39، والبيت الذي يومئ إليه ابن سلاّم، هو الذي أثبتناه في الإحالة السادسة. وعلى أنّ الذي يفهم من كلام ابن سلاّم، أنّ البيت المومأ إليه هو لابن حمام، بينما البيت لامرئ القيس الذي يُحيل هو على مضمون فكرة ابن حمام، لا على لفظه، وإلاّ لما قال: (...) كما بكى ابن حمام. -
9.م.س.، 1. 25.
10- الجاحظ، م.م.س 1. 74.
11- ابن سلام، م.م.س،1. 228 -229.
12- أبو عليّ الفارسي، كتاب الشعر، 2. 469 .
13- المرزباني، الموشّح، ص 35، و"بمّ" : أرض بكرمان.
14- م.س.، ص . 38.
15- ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1. 376-4. 260
16- ابن سلاّم، م.م.س، 1. 228.
17- ابن منظور، لسان العرب، كفاْ.
18- ديوان الأعشى، ص. 63.
19- م.س.
20- نرمز لأسماء المعلّقاتييّن اختصاراً بمايلي:
امرؤ القيس : مق.
طرفة: (ط).
زهير: (ز).
لبيد : (ل).
عمرو بن كلثوم: (ع.ك).
عنترة: (ع).
الحارث بن حلزّة: (ح.ح).
21- ابن سلاّم، م.م.س.، وابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 215.
22- وذلك في البيت الذي أثبتناه في الإحالة السادسة.
23- ابن حزم، م.م.س.
24- ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، 1. 43.

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com