لبيد بن ربيعة العامري

هو لبيد بن ربيعة بن مالك العامري من هوازن قيس قتل والده في السنوات الأولى من عمره فكفله عمامه وكان أبوه يلقب بربيعة المقترين لكرمه وسؤدده أمه بنت فاطمة الأنمارية أم الكملة وأخواله الربيع بن زياد وعمارة الوهاب وأنس الفوارس من بني عبس، عاش لبيد في قومه عيشة السادة يقري الضيف ويهرع للنجدة وينظم في الفخر والحكمة والوصف ترفع عن التكسب بشعره أخذ من المجد من أطرافه ففي شعره فخر عمرو بن كلثوم ودقة امرئ القيس وحكمة بن زيد.
عاش لبيد حتى الإسلام وكان أخوه أربد في وفد بني عامر على الرسول صلوات الله عليه وفد مع عامر بن الطفيل وقد عقدا العزم على الغدر برسول الله ولما فشلا في مبتغاهما قفلا عائدين فمات عامر وعرف عنه غدة كغدة البعير وموت في بني سلول وانحدرت صاعقة على إربد فقتلته وكان ذلك نتيجة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهما فجع لبيد بمقتل أخيه ورثاه رثاء مرا وأعلن إسلامه ثم توقف عن الشعر منذ أن أعلن إسلامه وكان يفتخر بتلاوة القرآن الكريم وحسن إسلامه وقد يكون في ساعات الفراغ عاد فنقح شعره ولهذا نرى المعاني الإسلامية داخلة في شعره الرثائي رغم أنه لم يقل شعرا في هذه الفترة إذ عاش في الإسلام ردحا من الزمن وتوفي في أيام خلافة معاوية بن أبي سفيان ومن هنا أتت نظرة الاستسلام لمشيئة الله في الموت وهو آخر أصحاب المعلقات وقد أربى عمره على المئة والأربعين سنة.
يعتبر لبيد الشاعر الذي يمثل السمات العربية في بلاد نجد في تلك الفترة فقد كانت مضارب بني عامر في نجد من وصف للصحراء.
 ولكنه لم يستطع أن يجعل نفسه مدار الفخر كما فعل عنترة أو أن يرتفع في شعره الملحمي إلى عمرو بن كلثوم من مبالغة وافتخار فهو فارس واثق من نفسه وسيد من سادات قبيلته ولهذا نلحظ فيه خشونة البدوي في بيته، في صحرائه يعرو كلماته الجفاف وتسيطر عليها الغرابة وخاصة في شعره الوصفي وتمثلها المعلقة إما إذا أردنا رقة اللفظ فعلينا أن نقرأ شعره الرثائي والحكمي وهذا ليس مجال بحثنا الآن.
المعلقة هي المعلقة الرابعة بين المعلقات السبع فهو يأتي بعد امرئ القيس وطرفة وزهير حسب رأي النقاد في تلك الأيام ويأتي بعده عنترة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة فهو واسطة العقد بين المعلقات وهذه هي المعلقات التي أجمع عليها النقاد في أدبنا القديم.
تمتاز هذه المعلقة بأنها تبدي الصراع بين الموت والحياة ويبدو الصراع بين البقرة وكلاب الصيد واضحا، وكأنه أمام إنسان يصارع الحياة وقد تجلت بهمومها وعذابها، هذا المصير الذي يجعله يتعلق بهموم الحياة خائفا من المجهول الذي يأتيه بعد الموت وهذا ما كان يقف عنده الإنسان الجاهلي إذ لم يكن لديهم الحساب والعذاب والنعيم في الدار الآخرة.
فالصراع بين الحياة والموت كصراع البقرة الوحشية وهي تدافع عن مصيرها أوليس الإنسان فردا يصارع كالبقرة الوحشية.
بهذا المعنى النفسي بنى قصيدته ولهذا كانت موضوعية أكثر من بقية المعلقات التي كانت تتناول موضوعات عديدة لا رابطة بينها.
إن لبيد هو بداية لذي الرمة الذي تابع الصراع في ديوانه ولم يجعل الموت ينتصر على الحياة ولا الحياة على الموت بل تركها تتذبذب بين الاستمرارية والفنا بين الأمل واليأس.
ومن هنا يبدو وصفه عميقا متقصيا لحياة البقرة وما يحيط بها.
وهو في قصيدته يمثل الحياة البدوية خير تمثيل ولو كان باحث ما يريد أن يبحث الحياة البدوية الجاهلية بما فيها من مشقات وأتعاب لكان عليه أن يدرس معلقة لبيد بن ربيعة العامري.

لبيد والمعلقة

وقال أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وكان يكنى أبا عقيل.

عفت الديار: محلها فمقامـهـا

 

بمنى تأبد غولها فرجامـهـا

فمدافع الريان عري رسمـهـا

 

خلقا كما ضمن الوحي سلامها

المدافع مجاري المياه في الأودية واحدها مدفع، ويقال هي الأودية نفسها متصلة بعضها ببعض، والريان اسم واد وقيل اسم جبل، ويقال عرى وعراي أي عري من أهله، فخلا رسمها أي أثرها خلقا أي قد خلق بعد حدوثه، والوحي جمع وحي وهو الكتاب والأصل الموحو فصرف عن المفعول إلى فعيل فأبدلت من الواو ياء ومثله حلي وحلي، والسلام جمع سلمة وهي الحجارة.

دمن تجرم بعد عهد أنيسـهـا

 

حجج خلون حلالها وحرامها

الدمن جمع دمنة، وهو البعر والسرخين والرماد، وآثار الناس، وحلالها يعني به شهور الحل وحرامها شهور الحرم.
ويروى دمنا تجرم بالنصب على الحال من الديار والمنازل المذكورة.

رزقت مرابيع النجوم وصابهـا

 

ودق الرواعد جودها فرهامها

أي رزقت هذه الدار: أي أمطرت. والمرابيع جمع مرباع وهي التي تنجم أول الربيع يعني الأمطار، ضرب به مثلا وصابها بمعنى أصابها بمطر، والرواعد: السحاب التي فيها رعد. جودها جمع رهمة وهي الأمطار اللينة.

من كل سارية وغاد مدجـن

 

وعشية متجاوب إرزامهـا

فعلا فروع الأيهقان وأطفلت

 

بالجلهتين ظباؤها ونعامها

فعلا من العلو والارتفاع، والأيهقان: الجرجير البري، واحدتها أيهق وأيهقانة، وأطفلت بمعنى توالدت والجلهتان ما استقبلك من جانبي الوادي، ويقال الجلهة: ما انحبس عنه نبات الوادي والجمع الجلهات.

والوحش ساكنة على أطلائها

 

عوذا تأجل بالفضاء بهامها

ويروى والعين: وهو بقر الوحش، واحدها أعين. أطلاؤها أولادها واحدتها طلاء وهي الصغيرة من أولاد الظباء والبشر وغيرها، ويستعمل في كل صغير. تأجل يتأجل آجالا وهو القطيع من البقر والظباء.

وجلا السيول على الطلول كأنها

 

زبر تجد متونها أقـلامـهـا

جلا بمعنى كشف، تجد مأخوذة من الجد، متونها: أرسانها.

أو رجع واشمة أسف نؤورها

 

كففا تعرض فوقهن وشامها

 ومعنى أسف: أي أسف وذر والنؤور يتخذ من دخان الشحم يجعل فيه الإثمد، ويجعل على الموضع الذي ضرب بالإبرة فيخضر.

فوقفت أسألها وكيف سؤالها

 

صما خوالد ما يبين كلامها

كيف أسأل من لا يفهم، خوالد: بواق لم تذهب آثارها، ولم تدرس فيذهل عنها، ما يبين كلامها أي ليس لها ما تنطق فيبين.

عريت وكان بها الجميع فأبكروا

 

منها وغودر نؤيها وثمامـهـا

عريت: بمعنى خلت من أهلها، غودر ترك، النؤي الحواجز تجعل حول الخباء والخيمة ليمتنع عنها المطر ولا يلحقها الحر.

شاقتك ظعن الحي يوم تحملوا

 

فتكنسوا قطنا تقر خيامهـا

شاقتك ظعن الحي ويروى القوم، ويروى تحدروا إذا دخلن عشية، الهوادج جمع هودج، والظعن جمع ظعينة، والأظعان كذلك، وهي النساء في الهوادج، وقطن فيها وجهان: أحدهما يربد به الأغشية من القطن وهي أبرد من الكتان والصوف. والوجه الآخر أراد القطن وهو الساكن في الدار مع صاحبها والخيام هنا: الهوادج، وتقر لجدتها لأن العتيق لا يقر.

من كل مخفوف يظل عصيه

 

زوج عليه كلة وقرامهـا

هو الهودج قد حف بالثياب إذ أفرغت عليه، فأخذت بحفافه أي جانبيه عصي خشبية والكلة: الستر الرقيق، قرامها، غشاؤها ويقال القرام: الثوب يجعل تحت الرجل والمرأة فوق الفراش، فيجلسان عليه.

زجلا كأن نعاج توضح فوقها

 

وظباء وجرة عطفا آرامها

أي جماعات، والنعاج البقرة الوحشية وجرة اسم موضع.

حفزت وزايلـهـا كـأنـهـا

 

أجزاع بيشة: أثلها ورضامها

حفزت: سبقت ودفعت دفعة واحدة، ومعنى زايلها: فارقها، ودافعها وحركها، والأجزاع جمع جزع، والرضام: حجارة مرتفعة بعضها على بعض، وقيل الرضام: جبال الصغار.

بل ما تذكر من نوار وقد نأت

 

وتقطعت أسبابها ورمامهـا

نوار اسم امرأة، ورمامها هي الحبال الضعاف التي قد خلقت أراد بذلك تقطع من جديد وصالها فهو خلق بمنزلة هذه الحبال.

مرية حـلـت بـفـيد وجـاورت

 

أرض الحجاز فأين منك مرامها؟

مرية أي مرة وهي في محل نصب على الحال وقد جاز رفعها، وفيد اسم موضع بأرض الحجاز ويريد حجاز طي وهي قرية من قراهم ويروى بلحد الحجاز.

بمشارق الجبلين أو بمحجر

 

فتضمنتها فردة، فرخامها

يعني جبلي طيئ، ومحجر بكسر الجيم وفتحها، تضمنتها نزلت بها، والفردة اسم مكان ورخامها أيضا، وقيل اسم موضع كثير الشجر.

فصوائق إن أيمنت فـمـظـنة

 

فيها وحاف القهر أو طلخامها

صوائق اسم موضع أي يظن لهذه المواضع، وحاف يريد بذلك جمالا صغارا واحدتها وحفاء، وحفاء النهر اسم جبل ويقال موضع، أو طلخامها: اسم جبل ويقال موضع والطلخام أيضا الأنثى من ولد الفيلة، والذكر تربيل.

فاقطع لبانة من يعرض وصله

 

ولشر واصل خلة صرامهـا

اللبانة: الحاجة ومعنى صرامها: قطاعها، قطاعها، والصرم القطع، والصريمة القطيعة، والصرام القطاع، ويروى: ولخير واصل، والمعنى خير الواصلين: من صرم من يستحق الصرم ومن كان عنده صرم الخلة فوصله شر وصل.

واحب المجامل بالجزيل وصرمه

 

باق إذا ضلعت وزاغ قوامهـا

أي اعط المجامل وإن كان صرمه باقيا، ضلعت: تغيرت، وزاغ: مال. قوامها: استقامتها واستواؤها.

بطليح أسفار تركن بـقـية

 

منها فأحنق صلبها وسنامها

تركن: الأسفار تركن بقية من ناقة سقيمة، فأخنق أي فأضمر، ولصق بالظهر صلبها وسنامها، ولا يقال حنق السنام إنما يقال ذهب إلا أنه حمله على المفيد لعلم السامعين.

فإذا تغالى لحمها وتحسـرت

 

وتقطعت بعد الكلال خدامها

أي ارتفع، ويقال ذهب من غلا السعر، تحسرت: انحسر لحمها عن عظمها ويقال سقط وبرها، ويقال صارت جسيما وهي المعيبة، ويقال تجسرت من الجسرة والخدام السيور التي تشد من أرسانها على الخف واحدتها خدمة ويقال للخلخال خدمة

فلها هباب في الزمان كـأنـهـا

 

صهباء راح مع الجنوب جهامها

الهباب: الإسراع في السير والوثوب فيه والنشاط به، والصهباء: هنا يريد به السحابة الصهباء اللون، والجهام السحاب الذي قد هرق ماؤه تدفقا فهو شديد السرعة.

أو ملمع وسقت لأحقـب لاحـه

 

طرد الفحول وضربها وكدامها

 الملمع من ذوات الحوافر التي ألمعت أطباؤها باللبن حتى تقارب أن تضع ما في أجوافها من سخائها، والأطباء الضروع، وسقت أي جمعت، والأحقب الحمار الذي في حقيبتيه بياض ومعنى لاحه أي غيره، واللوح: العطش، وضربها أي ضربها بيديها ورجليها والكدم العض.

يعلو بها حدب الإكام مسحجا

 

قد رابه عصيانها ووحامها

يعلو الحمار بالأتان، والحدب ما ارتفع من الأرض، مسحجا نصب على الحال والمسحج المع، يقول هذا الحمار إذا نهق كأن عودا في فمه تعرض.
ووحامها على وجهين أحدهما أن تشتهي الحبلى على حبلها الأكل، والآخر أن تشتهي الحبلى على حبلها الجماع والوحام والشهوة، فإذا اشتهت على حملها قيل: قد توحم وحما والمصدر الوحام، ووحمت توحم وحما ووحاما بكسر الواو إذا اشتهت الفحل وكل حامل تمتنع عن الفحل إلا الإنس.

بأجزة الثلبوت يربأ فوقـهـا

 

قفر المراقب، خوفها آرامها

الأحزة جمع حزيزة وهو ما غلظ من الأرض، ويقال أحزه وحزات والثلبوت اسم موضع ويقال هو ماء لذبيان.
يربأ: يعلو، المراقب: المواضع المرتفعة، ينظر من يمر بالطريق، والآرام جمع إرم وهو العلم من الحجارة ينصب على الطريق ليهدي بها.

حتى إذا سلخا جمـادى سـتة

 

جزءا فطال صيامه وصيامها

يريد الحمار والأتان أي استكملا أيامهما ويروى جمادى كلها جزءا.

رجعا بأمرهما إلى ذي مـرة

 

حصد ونجح صريمة إبرامها

أي رجعا إلى الحشيش.

ورمى دوابرها الشفاء وهيجـت

 

ريح المصايف سومها وسهامها

ويروى ريح الشقائق.

فتنازعا سبطا يطير ظـلالـه

 

كدخان مشعلة يشب ضرامها

أي خلطت بنبت كثير الشوك.

فمضى وقدمها وكانـت عـادة

 

منه إذا هي عردت إقدامهـا

فتوسطا عرض السري وصدعا

 

مسجورة متجاورا قلامـهـا

قلامها نبت قيل هو القصب.

ومحففا وسط اليراع يظلـه

 

منها مصرع غابة وقيامها

أي حافا. مصرع: الماثل الغابة: الأجمة.

أفتلك أم وحشية مـسـبـوعة

 

خذلت وهادية الصوار قوامها

أي أفتلك تشبه ناقتي أم بقرة وحشية، هادية: متقدمة، والصوار: القطيع من البقر.

خنساء ضيعت العزيز فلـم يرم

 

عرض الشقائق طرفها وبغامها

خنساء:يعني البقرة، العزيز ولدها، ويحتمل ضياعها له أن السباع أكلته والبغام صوتها.

لمعفر فهد تـنـازع شـلـوة

 

غبس كواسب ما يمن طعامها

الفهد الأبيض، ويقال: هو الأبيض الذي يخالط بياضه صفرة أو حمرة، والغبس الذئاب والغبسة لون فيه شبه الغبرة.

صادفن منها غرة فأصبنـهـا

 

إن المنايا لا تطيش سهامهـا

باتت وأسبل واكف مـن ديمة

 

يروي الخمائل دائما تسجامها

الخمائل جمع خميلة، وهي الرملة التي قد غطاها النبت، كأنه قد أجملها وأخفاها.

تجتاف أصلا قالصا متنبـذا

 

بعجوب أنقاء يميل هيامها

تجتاف تدخل والقالص المرتفع، والمتنبد: المتفرق، والعجوب جمع عجب وهو طرف النعجة، وهو أيضا آخر كل شيء، وإنما أراد به هنا أواخر التلال، والأنقاء جمع نقا، يميل: ينزل، والهيام: بفتح الهاء الرمل المنهال.

يعلو طريقة متنها متـواتـرا

 

في ليلة كعز النجوم غمامها

وتضيء في وجه الظلام منيرة

 

كجمانة البحري سل نظامها

وجه الظلام أوله، والجمانة اللؤلؤة الصغيرة، والبحري: الغواص.

حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت

 

بكرت تزل عن الثرى أزلامها

أي قوائمها.

علهت تبلد في نهاء صعائد

 

سبعاً تؤاماً كاملاً أيامها

النهاء: الغدران واحدها نهي، أي طار قلبها من الجزع، وبقيت سبعة أيام تطلبه وتدور عليه، ويروى تردد أي تمر وتجيء، علهت فسد جزعها يقال عله يعله فهو عاله ومعلوه.

حتى إذا يئست وأسحق حالق

 

لم يبله إرضاعها، وفطامها

أسحق حالق: يريد ضرعها، فإنها لما يئست من ولدها جف لبنها وأراد إبلاء ولدها فقدها له.

وتسمعت زر الأنيس فراعـهـا

 

عن ظهر غيب والأنيس سقامها

ويروى الأنين، والرز: الصوت، أراد من مكان في خفية عنها وأصل الغيب الوادي لأن الشيء يختفي فيه.

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه

 

مولى المخافة خلفها وأمامها

وخلف وأمام لم يجعلهما ظرفا فرفعهما.
 

حتى إذا يئس الرماة وأرسلـوا

 

غضفا دواجن قافلا أعصامها

يئس بمعنى علم أي لما علم الصيادون موضع البقرة رأوها راجعة ومنه قوله تعالى (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال أبو عبيدة أي أفلم يعلموا، وقال سحيم بن وثيل الرياحي اليربوعي:

أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني

 

ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

وقيل أنهم أيسوا أن يصيبوها لعددها فتركوا رمي السهام، وأرسلوا غضفا وهي الكلاب المسترخية الآذان سميت بذلك، لانعطاف آذانها إلى قدام. الذكر أغضف، والأنثى غضفاء، والدواجن هنا المقيمات يقال دجن بالمكان إذا أقام به، والأعصام قلائد من أدم تجعل في أعناق الكلاب الواحد عصم وهو جمع على غير قياس وكأنه جمع الجمع فجمع على عصم كحمار وحمر ثم جمع عصما على أعصام كطنب وأطناب، وقيل واحد الأعصام عصمة فهذا جمع على حذف الهاء كأنه جمع عصما على أعصام فيكون مثل جمل وأجمال وقيل واحدها عصم مثل جذع وأجذاع.

فلحقن واعتكرت لها مدرية

 

كالسمهرية حدها وتمامها

أي عطفت على الكلاب بقرن كالرمح.

لتذودهن وأيقنـت إن لـم تـذد

 

أن قد أحم من الحتوف حمامها

فتقصدت منها كساب فضرجت

 

بدم وغودر في المكر سحامها

ويروى فتنكب، وكساب مبني لاجتماع العلل الثلاث فيه المعرفة والتأنيث والعدل لأنه معدول من كاسبة، فضرجت: صبغت، وغودر ترك وسحام اسم كلب.

فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى

 

واجتاب أردية السراب إكامها

أقضي اللبانة لا أقصـر خـيفة

 

كي لا يلوم بحاجة لوامـهـا

ويروي لا أفرط.

أو لم تكن تدري نوار بأنني

 

وصال عقد حبائل جذامها

يقال للظبية تنور نوارا بفتح النون جذامها: قطاعها.

تراك أمكـنة إذا لـم أرضـهـا

 

أو يرتبط بعض النفوس حمامها

الحمام: الموت، وجزم يرتبط عطفا على لم أرضها.

بل أنت لا تدرين كم من ليلة

 

طليق لذيذ لهوها وندامها

يقال يوم طلق، وليلة طلقة، إذا لم يكن فيها حر ولا قر.

قد بت سامرها وغاية تـاجـر

 

وافيت إذا رفعت وعز مدامها

خفض غاية على موضع الهاء من سامرها، والتاجر هنا الخمار والغاية العلامة ينصبها ليعلم مكانه، وافيته أتيته ليلا فابتعت منه خمرا.

أغلي السباء بكل أدكن عاتـق

 

أو جونة قدحت وفض ختامها

السباء بالمد: الخمر ولا يستعمل في غيرها، سبأت الخمر أسبأها سباء وسبأ قال امرؤ القيس.

كأني لم أركب جوادا لـلـذة

 

ولم أتبطن كاعبا ذا خلخال

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل

 

لخيلي كري كرة بعد إجفال

الأدكن: الزق الأغبر، العاتق: الخالص، وقيل هي التي قد عتقت. وقيل التي لم تفتح من قبل، العاتق من صفة الزق، وقيل من صفة الخمر لأنه يقال اشترى زق الخمر، والجونة الخابية للخمرة، وقدحت: وفض ختامها، معناه فتحت.

بصبوح صافية وجذب كرينه

 

بموتر تأتاله إبهـامـهـا

الصبوح: شرب الغداة، والكرينة صاحبة الكران وهو العود ومعنى تأتاله: تصلحه، والموتر: عود له أوتار.

باكرت حاجتها الدجاج بسحرة

 

لأعل منها حين هب نيامها

أي وقت صياح الديكة، لأعل: من العلل وهو الشرب بعد الشرب، والنهل الشرب الأول، وبعده يأتي العلل.

وغداة ريح قد وزعـت وقـرة

 

إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

القرة: الباردة.

ولقد حميت الخيل تحمل شكتـي

 

فرط وشاحي إذ غدوت لجامها

فرط: اسم فرسه، وهو مأخوذ من التفريط والشكة: السلاح.

فعلوت مرتقبا على مرهوبة

 

خرج إلى أعلامهن قتامها

المرهوبة: الأرض المخوفة، الحرج: الدقيق، الأعلام: هي الروابي القتام: الغبار.

حتى إذا ألقت يدا في كـافـر

 

وأجن عورات الثغور ظلامها

الكافر: الليل لأنه يستر كل شيء، والثغور مواضع المخافة وأجن: ستر.

أسهلت، وانتصبت كجذع منيفة

 

جرداء يحصر دونها جرامها

أي نزلت إلى السهل وانتصب الفرس أسرع في مشيه، بحصر تضيق صدورهم من هولها، والجرام الذين يقطعون الشجر والجرام والصرام القطع.

رفعتها طرد النعـام وفـوقـه

 

حتى إذا سخنت وخف عظامها

ويروى لجامها، سخنت أي حميت، خف عظامها أي عرقت فخفت للعدو.

قلقت رحالتها وأسبل نحرهـا

 

وابتل من زبد الحميم حزامها

 الرحالة: السرج، وقلقت أي اضطربت، وأسبل أي سال عرقها، والحميم: العرق.

ترقى وتطعن في العنان وتنتحي

 

ورد الحمامة إذا أجد حمامها

ترقى أي تعلو، يقال رقيت أرقى رقيا، إذا صعدت، ورقيت أرقى رقيا من الرقية، ورقا الدم رقوا إذا انقطع، وتطعن أي تغدو وتنتحي، تقصد كالحمامة التي وردت وقد تباعد حمامها فهي تطلبه، والحمامة هنا بمعنى القطاة وطعن يطعن طعنا عليه أي أغار.

وكثيرة غرباؤها مجـهـولة

 

ترجى نوافلها ويخشى ذامها

أراد خيمة الملك إذا اجتمع عليها الناس يرجون المنافع، ويخشون العيون، مجهولة فيها أناس من كل مكان، نوافلها معروفها، ذامها عيبها: يريد الحرب.

غلب تشذر بالذحول كأنها

 

جن البذي رواسبا أقدامها

تشذر: تنتصب وتتفرق، ويتوعد بعضها بعضا. الذحول: الأحقاد، البذي: اسم واد يعرف الجن، الرواسي: الثوابت، ويروى رواسبا بالباء الموحدة وهي التي قد رسبت في الأرض أي غاصت وهي في محل نصب على الحال.

أنكرت باطلها، وبؤت بحقها

 

يوما ولم يفخر علي كرامها

بؤت رجعت بما وجب لي منها ويقال بؤت اعترفت، وأقررت.

وجزور أيسار دعوت لحتفها

 

بمغالق متشابه أعلامهـا

أي لنحرها، والأيسار: القوم المياسير، والجزور الناقة للذبح وجمعها جزائر وجزر ويقال جزر بإسكان الزاي قال الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:

كثير رماد المال يغشـى خـبـاؤه

 

إذا نودي الأيسار واحتضر الجزر

الأيسار جمع يسر، وهو الذي يضرب بالقداح، ويقال له أيضا والمغالق القداح وهي سهام الميسر.

أدعو بهن لعاقر أو مطـفـل

 

بذلت لجيران الجميع لحامها

فالضيف والجار الجنيب كأنما

 

هبطا تبالة مخصبا أهضامها

ويروى: الجار الحميم، وتبالة اسم قرية، ومخصبا، ومخصبة: نصب على الحال أراد به المخصب.

تأوي إلى الأطناب كل ذرية

 

مثل البليئة قالص أهدامها

الرذية: الطويلة، والبلية: الناقة تشد إلى قبر الرجل حتى تموت، والأهدام الثياب الخلقات، فاستعاره هنا والمعنى أنهم يذبحون السمان ويبقون المهازيل.

ويكللون إذا الرياح تناوحت

 

خلجا تمد شوارعا أيتامها

كانوا يكللون في الشتاء جفانا كالخلج، ترد كالأيتام لتأكل ما فيها، والشوارع جمع شارع؛ وهو الإنسان إذا شرع في الشيء.

إنا إذا التقت المجامع لم يزل

 

منا لزاز عظيمة جشامها

ويروى حسامها: قطاعها، اللزاز الذي يلزم الشيء، يعتمد عليه فيه، ومنه سميت الخشبة التي تشد بها الثياب لزازا والجشام: المكلف للأمور القائم بها يقال: جشمت الأمر أجشمه إذا تكلفته على مشقة، فأنا جاسم، وجشام على التكثير، ومنه سمي الرجل جشما وجشامها: راكبها على م.

ومقسم يعطي العشيرة حقها

 

ومغذمر لحقوقها هشامها

المغذمر الذي يضرب بعض حقوق الناس ببعض، فيأخذ من هذا، ويعطي هذا. قال أبو عبيدة هو الذي لا يعصى ولا يرد قوله.

فضلا وذو كرم يعين على العلا

 

سمح كسوب رغائب غنامهـا

ويروى كتامها، وقتامها، ويروى على التقى، السمح، السهل الأخلاق الرغائب: الأموال الكثيرة وصرف رغائب للضرورة.

من معشر سنت لهم آباؤهم

 

ولكل قوم سنة وإمامهـا

السنة: الطريق، والأمر الواضح البين، والسنة تكون في الخير وفي الشر، لكل قوم سنة أي طريق ومنه قوله تعالى: (من حمأ مسنون) أي مصبوب ومنه يقال: سننت الدرع وشننتها، والسنة أمر الله الواضح المبين.

لا يطبعون ولا يبور فعالـهـم

 

إذ لا تميل مع الهوى أحلامها

أي: لا يدنسون لأن الطبع الدنس، لا تبور فعالهم أي تهلك لقوله تعالى (وكنتم قوما بورا) وبارت تجارته كسدت.

فبنوا لنا بيتا رفيعا سمكـه

 

فسما إليه كهلها وغلامها

بنوا يعني الآباء من إسماعيل، وإنما يعني به الشرف، ويجوز رفيع على معنى سمكه رفيع والأول أجود، لأن رفيعا جاء على الفعل فهو نعت لقوله بيتا وسمكه رفع به ويروى فبنى يعني الإمام.

فاقنع بما قسم المليك فإنمـا

 

قسم المعايش بيننا علامهـا

وإذا الأمانة قسمت في معشر

 

أوفى بأعظم حقنا قسامهـا

ويروى بأفضل حظنا.

وهم السعاة إذا العشيرة أفظعت

 

وهم فوارسها وهم حكامهـا

 السعاة: الذين يصلحون بين القبائل، ويحملون الديات، أفظعت: نزل أمر فظيع، وهم حكامها: الذين يمنعون ذوي الجهل، ويرجع إلى آرائهم ويقبل قولهم إذا كان أمر عظيم، فيحكمون للناس ومثلهم لا يرد لهم قول.

وهم ربيع للمجـاور فـيهـم

 

والمزملات إذا تطاول عامها

المرملات هنا اللواتي مات أزواجهن، أي هم بمنزلة الربيع في الخصب لمن جاورهم. عامها سنتها وعامها شهوة اللبن.

وهم العشيرة أن يبطئ حاسد

 

أو أن يلوم مع العدى لؤامها

ويروى تبطأ فيه معنى المدح كما تقول هو الرجل الكامل.

إن يفزعوا تلق المغافر عندهم

 

والسن يلمع كالكواكب لامها

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com