الحارث بن حلزة

 

نحو (... - 54 ق. هـ = ... - 570 م)


        هو الحارث بن حلّزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله بن مالك بن عيد، ينتهي نسبه، كما ذكر التبريزي، إلى يشكر بن بكر بن وائل بن نزار. شاعر جاهلي من أصل بادية العراق، كان أبرص فخوراً، ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند الملك بالحيرة. جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم حتى صار مضرب المثل في الافتخار، فقيل: أفخر من الحارث بن حلزة. اختلف الرواة اختلافاً بيّناً، حول عصره وولادته، وسنّه يوم إنشاد معلّقته: ذكر التبريزي أنه ألقى قصيدته هذه وهو في العقد الرابع بعد المئة، وذهب المستشرق "دوبرسفال" إلى أنه عمّر بعد تلك المناسبة ما يزيد على خمسة عشر عاماً، ومات ابن مئة وخمسين سنة.
ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فالحارث أحد المعمّرين ويتفق الرواة على أنه كان يكبر عمرو بن كلثوم حين ناظره في مجلس عمرو بن هند بدليل ما في شعره من الاعتداد الرّصين بقومه البكريين، وما أبدى من الحنكة والدراية بنفسية الملوك وحسن خطابهم في تلك المناسبة. فقد كان الحارث يشكو من وضح (أي برص)، جعله يتردّد أول الأمر في تمثيل قبيلته ومواجهة عمرو بن كلثوم شاعر تغلب. وهو لذلك لم يتقدّم بادئ ذي بدء وأفسح المجال للنعمان بن هرم، الذي كان تيّاهاً متعاظماً، فلم يحسن خطاب الملك، وإذ اندفع بتهوره إلى إغاظته وإيغار صدره حتى أمر بطرده من مجلسه.
وأمام هذه الحادثة، ثارت الحميّة في نفس الحارث فارتجل قصيدته. وكان الملك قد أقام بينه وبينه سبعة ستور، ثم راح يرفعها الواحد بعد الآخر، إعجاباً بذكاء الحارث، وتقديراً لشاعريته. ونظراً لأهمية هذه المناظرة في حياة هذا الشاعر وظروف الخصومة بين بكر وتغلب على إثر حرب البسوس، فقد رأينا من المستحسن أن نثبت رواية أبي عمرو الشيباني، التي جاءت أكثر كتب الأدب على ذكرها، وفي مقدمتها الأغاني لأبي فرج الذي قال: قال أبو عمرو الشيباني: كان من خبر هذه القصيدة والسبب الذي دعا الحارث إلى قولها أن عمرو بن هند الملك- وكان جبّاراً عظيم الشأن والمُلك- لما جمع بكراً وتغلب ابني وائل، وأصلح بينهم، أخذ من الحييّن، رهناً من كل حيّ مائة غلام ليكف بعضهم عن بعض. فكان أولئك الرهن- يكونون معه في سيره ويغزون معه. فأصابتهم ريح سَمُومٌ في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين، وسلم البكريون. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لكم لازم، فأبت بكر بن وائل. ثم اجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم وأخبروه بالقصة. فقال عمرو- لقومه-: بمن ترون بكر تعصب أمرها اليوم قالوا: بمن عسى إلا برجل من أولاد ثَعْلَبة. قال عمرو: أرى والله الأمر سينجلي عن أحمر أصلج أصّم من بني يشكر. "فجاءت بكر بالنعمان بن هرم: أحد بني ثعلبة... وجاءت تغلب بعمرو بن كلثوم. فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصمّ! جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهو يفخرون عليك! فقال النعمان: وعلى من أظلّت السماءُ كلُّها يفخرون، ثم لا يُنكر ذلك. فقال عمرو له: أما والله لو لطمتُك لطمة ما أخذوا لك بها. فجاء جواب النعمان نابياً وبذيئاً. فغضب عمرو بن هند وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال: يا جارية أعطيه لَحْياً بلسان أنثى (أي اشتميه بلسانك). فقال: أيها الملك أعط ذلك أحب أهلك إليك. فقال: يا نعمانُ أيسرُّك أني أبوك قال: لا! ولكن وددت أنّك أميّ. فغضب عمرو بن هند غضباً شديداً حتى همّ بالنّعمان.
وقام الحارث بن حلّزة فارتجل قصيدته هذه ارتجالاً: توكّأ على قوسه وأنشدها وانتظم كفّه وهو لا يشعر من الغضب حتى فرغ منها. وأورد ابن الكلبي حول تلك المناسبة قوله: "أنشد الحارث عمرو بن هند هذه القصيدة وكان به وضَح. فقيل لعمرو بن هند: إنّ به وضحاً. فأمر أن يجعل بينه وبينه ستر فلما تكلّم أعجب بمنطقه، فلم يزل عمرو (أي الملك) يقول: أدنوه حتى أمر بطرح الستر وأقعده معه قريباً منه لإعجابه به.
وجاء في خزانة الأدب للبغدادي أن الذي يقول "ارفعوا ستراً، وأدنوا الحارث"، هي هند أم الملك. ولم تزل تقول ذلك، والملك بما أمرت، حتى رفعت الستور وكانت سبعة فأدنى ابن حلزة منه وأطعمه في جفنته وأمر أن لا ينضح أثره بالماء. وأضاف البغدادي بأنّ الملك أمر بجزّ نواصي السبعين بكريّاً الذين كانوا رهناً عنده، ودفعها إليه. ويذكر الباحثون أن هذه النّواصي بقيت في بني يشكر بعد الحارث وكانت موضع فخارها بشاعرها. ويروى أن الملك أراد أن يؤكد للحارث تقديره لهذه المعلقة المفخرة فأمره ألا ينشدها إلا متوضئاً.
وخبر الحارث في بلاط عمرو بن هند هو أبرز مواقف حياته وفيه ورد أفضل ما قاله من الشعر وهو المعلّقة. وفي خلال ذلك لم يردنا الكثير عن حياة هذا الشاعر، ولاسيما أيامه الأخيرة ووفاته. لكنّ نفراً من الأدباء في المراجع القديمة اتفق على أن الحارث كان بين المعمّرين من الشعراء، وعنهم أخذ الأب شيخو فذكر أن الشاعر اليشكري مات سنة 580م وكان عمره مئة وخمسين سنة، فتكون ولادته بحسب هذه الرواية في حدود 430م.
وأبرز ما قيل في شخصية الحارث متصل بهذا الحدث المشهور في سيرته وشعره. فقد أعجب المؤرخون بحكمته وحسن درايته بمواطن الشاعرية، وتفوقه على خصمه في استمالة الملوك واستدرار رعايتهم وتحويل قلوبهم من الحذر إلى الودّ. ويكفي هذا شاهداً على الإرادة القوية والأناة والجرأة في الأوقات العصيبة الحرجة، عند الحاجة إلى ذكاء العقل في دفع الملمّات. وشعر الحارث، متوّجاً بالمعلقة، يجمع بين القيمة التاريخية والأدبيّة ويجعل من صاحبها الشاعر الخطيب، والخطيب المنافح عن قومه وعزّتهم بكبرياء لا يخالطه صلف، وأنفة لا تشوبها غلظة أو غرور فارغ. فهو أحد شعراء المعلقات الأكثر بعداً عن الهوس والحماس الطائش، والدفاع الأرعن المتهوِّر. وأظهر ما في أسلوب الحارث، روعة الإيجاز وقوة الحجة والعناية بالتمثيل البياني والوصف البليغ والحرص على المتانة وقوة التركيب وقد تنوّعت في ديوان الحارث الأوزان والقوافي وبرّزت معلّقته على ما عداها من قصائد الكبار بفخامتها وجرسها فكانت سبب خلود صاحبها حتى قال الشيباني: لو قال الحارث معلّقته في حول لم يُلم.
وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن الحارث بن حلزة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: لم يقدم من شرحوا المعلقات كثيراً عن الحارث بن حلزة من بني بكر، سوى ما يتعلق بالدفاع عن قضية قبيلته أمام عمرو بن هند ضد تغلب. كان نبيلاً ومحارباً مثل كل شعراء المعلقات، كما عمر طويلاً ويقال إنه نظم معلقته في سن المئة. إذا ما صدقت هذه الرواية، يكون أقدم شعراء المعلقات مولداً، إذ أن إلقاء المعلقة يعود إلى سنة 560 ميلادية. باستثناء ما يعرف عن معلقته ليس هناك من شيء مدون حول حياته.
معلقته من أولها إلى آخرها قطعة من الدفاع الخاص، أي أن موضوعها سياسي، وهذا ما يجعلها الأقل مثارة للاهتمام من بين المعلقات السبع. إلى حد ما، هي ليست مزخرفة بالأوصاف الطبيعية البرية للحيوانات والطيور والأشجار، ما يصنع سحر وفتنة المعلقات الأخرى، كما ليس هناك كثيراً من الأصالة أو العاطفة الجياشة في مطلعها، لعله ذكر هذا كنوع من التقليد المرعي، وربما استعاره في عمره المتقدم من شعر شبابه، إذ أنها لا تتقاسم سمات بقية المعلقة، ولا صدى لها في بقية المعلقة. القصيدة نقاش طويل يعبر عنه بحماس وليس دون جمال، لكن بمديح للأمير المخاطب، أمر شائع بين شعراء ما قبل الإسلام. يقال إن هند أم الأمير سرت لذكر اسمها في أبيات القصيدة الأولى وأنها أثرت على ابنها عمرو لتلبية مطلب الحارث. يقدم التبريزي بعض التفاصيل حول هذه النقطة.
قال إن الحارث أعد معلقته لهذه المناسبة لكنه شعر بالخجل لإلقائها بسبب إصابته بالجذام. طلب الملك منه إلقاءها من وراء سبع ستائر، وبعد ذلك طلب غسل موطيء قدميه بالماء، لكنه في الأخير اقتنع وألقى الحارث قصيدته من خلف ستارة. كانت هند تسمع وقالت " تالله لم أر مثل هذا اليوم الذي يتكلم فيه رجل من خلف سبع ستائر. أمر الملك برفع الستارة الثالثة والثانية ثم رفعها كلها حتى يقف الشاعر أمام الملك ، وطلب منه تناول الطعام من طبقه، وعندما خرج أمر بعدم غسل موطيء قدميه. وهكذا حقق الحارث مأربه بإصدار ابن هند مرسوماً لصالح قبيلته.
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: أرسل الحارث بن حلزة وقد جاوز المئة من العمر، وإن كان ما يزال قوياً نسبياً، إلى بلاط عمرو بن هند، ملك الحيرة ليمثل قبيلة بني بكر إثر خلافها مع بني تغلب. تحتوي معلقته النقاش الذي دار في هذه المناسبة، التي كان تأثيرها من القوة حتى أن أمير الحيرة حكم لصالح بني بكر، وتكريماً للشاعر رفع الملك الستائر السبع التي وضعها أثناء إلقائه قصيدته وطلب منه الجلوس بجانبه. هناك اعتقاد أن الملك قتل بسبب هذا الحكم على يد عمرو بن كلثوم كما ذكر سابقاً.
اعتمدنا في ذلك على: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص 259- 263. أعلام الزركلي. وأنظر أيضاً ما ترجمه صلاح صلاح في ما يلي:

Blunt, Lady Anne (Translated from the original Arabic) & Blunt, Wilfred Scawen (done into English Verse). The seven golden Odes of Pagan Arabia, known also as the Mo-Allakat. London: The Chiswick press, 1903, P.44. Clouston, W A (edited with introduction and notes). Arabian Poetry and English Readers. London: Darf Publishers Limited, 1986, PP.li- lii.

المصدر : موقع الوراق

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com