امرؤ القيس

وقال امرؤ القيس:

سقى دار سلمى بالمحصب هـطـال

 

من المزن [وطف] هامل جلجـال

 

وما زالت الأمطـار كـل عـشـية

 

يقلبها فـي دوحة الـحـب مـيال

 

يسح عليها الغيث من كـل جـانـب

 

يسح وفيها الماء أزرق سـلـسـال

 

ويعقـبـه زهـر الـربـيع كـأنـه

 

زرابي فيها للـنـمـارق تـسـآل

 

وقفت بها والدمـع مـنـي كـأنـه

 

على صحن خدي والمحاجر سلسال

 

أسائلهـا أين الـذين قـتـلـنـنـي؟

 

وهل ينفع الصب المتـيم تـسـآل؟

 

فقالت حوتهـن الـهـوادج بـكـرة

 

وسار بهم عنـا حـداة وأجـمـال

 

حضرت أجيل الطرف في البر حائر

 

[وما كان فيهـا سـاكـن] نـزال

 

ومن بعد حين لاح لي بعض بلغتـي

 

وأهلي نشج والنشج يرفـعـه الآل

 

فهللت ضحـاكـا وأيدت نـاظـري

 

إلى هودج من فوقه الخز مفضـال

 

وقلت لحادي العيس هل أنت مخبـر

 

لمن هذه الظعن التي هي مـهـدال

 

فقال لسلمى وهي شمـس مـنـيرة

 

وبدر لها في الحي ضو[ء] وأجمال

 

فقلت لـه لـلـه درك مـن فـتـى

 

خبير بما فيه الـسـرور وإقـبـال

 

وجئت إلى سلمى وأوقفت بكـرهـا

 

ونوخته فانطاع لـي وهـو مـذلال

 

وحين رفعت الحجب بيني وبـينـهـا

 

فمدت إلي الطرف والطرف مكحال

 

وقالت حبيبي ما الذي أنـت طـالـب

 

فقلت لها من لي إلى الوصل إبلال

 

فقالت ترى أهلي وقومي وجـيرتـي

 

رجال يرومون المسير إذا قـالـوا

 

إذا ما حططنا عن ظهور مـطـينـا

 

تعال إلينا والـحـواسـد غـفـال

 

 صبـرت إلـى أن خـالـط الـنـوم روسـهـــم

 

وعـادوا كـأمـثـال الـسـكـارى إذا مـالــوا

وجـيت إلـيهـم ثـم دسـت رقــابـــهـــم

 

ولو علـمـوا قـطـعـت بـالـسـيف أرطـال

إلـى أن أتـيت الـخـدر وهـي كـأنـــهـــا

 

لفـي الـلـيل مـصـبـاح يضـيء لـقـفـال

وصـرت أدير الـزنـد مـن فـوق ردفــهـــا

 

كمـا دارت الأحـقـاب يومـا بـأجــمـــال

فقـالـت دع الـفـحـشـاء إنـــي غـــريبة

 

وأنـت أتـيت الآن لـم يعـلـم الـــخـــال

فقـلـت لـهـا سـمـعـا لـــديك وطـــاعة

 

فمـا بـغـيتـي غـير الـحـديث مـع الـقـال

وبـتـنـا عـلـى عـيش هـنـــيء وعـــفة

 

إلـى أن أتـانـا الـصـبـح يركـد مـرســال

فقـالـت وقـالـت ويلـتـا ثــم ويلـــتـــا

 

لقـد جـاءنـا الـصـبـح الـذي هـو فــلال

فقـلـت لـهـا قـري فـقـومـك هــجـــع

 

على حالهـم فـي نـومـهـم وكـمـا حـالـوا

فقالوا فخذ مني ثيابي ومعجزي وخلخالي كأنك سلال

 

 

فقمت إلى أثوابها فخلعتها

 

وخليتـهـا فـي خـدرهـا وهـي مـعـضـال

وجـئت إلـى بـكـري هـنـيئا مـسـلـمـــا

 

فلـلـه فـي الـحـاء والـمـــيم والـــدال

           

وقال امرؤ القيس أيضاً: امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك بن عمرو المقصور الذي اقتصر على ملك أبيه ابن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن مرتع. وقال قوم ابن معاوية بن ثور بن مرتع، وإنما سمي مرتعا لأنه كان من أتاه من قومه رتعه أي جعل له مرتعا لماشيته وهو عمرو بن معاوية بن ثور وهو كندة بن عفير لأنه كفر أباه نعمته، ويكنى أبا الحارث، ويكنى أيضا أبا ذهب وأبا زيد. وقيل اسمه حندج ولقبه امرؤ القيس.
رويت عن ابن الكلبي أخبار تفيد الشك في نسبة هذه القصيدة أو بعضها إلى امرئ القيس، فقد روى البطليوسي عنه أن أعراب كلب ينشدونها لابن خذام. وروى أبو أحمد العسكري عن أبي حاتم عن ابن الكلبي أنه كان يقول: سمعت رواة أعاريب كلب، وعلماءها يذكرون أن أبياتا من أول هذه القصيدة لابن خذام، وأن ابن خذام هذا أول من بكى في الديار.
وروى ابن حزم عن ابن الكلبي أيضا أن أعراب كلب إذا سئلوا بماذا بكى ابن حمام الديار؟ أنشدوا خمسة أبيات متصلة من أول "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" ويقولون: إن بقيتها لامرئ القيس.
وابن خذام هو ابن حزام وابن حمام.
هذه المعلقة هي أشهر المعلقات الجاهلية وأكملها دربة فنية وأقصاها بعدا نفسيا يقص فيها نفسه في عواطفه، وخواطره وتأملاته، باكيا طلل الحبيبة، ذاكرا أيام لهوه ومجونه مع صواحبه، متأرجحا بين الذكرى الوجدانية والشهوة الإباحية، ويتدرج في ذلك إلى وصف تسلله إلى مخدع حبيبته، مستحضرا لها صورة جمالية مستمدة من معالم الطبيعة في جمادها ونباتها، وحيوانها، خالعا عليها صفة الكمال والمثال، ومن مناجاة الحبيبة، ووصفها، يعرض لليل فإذا هو دليل حسي نفسي يمتزج فيه العالم الداخلي بالعالم الخارجي، ويتحد سواد الليل بسواد الهموم، بعد أن يتمثله على حدقة الخيال.
ويصف الفرس أيضا بأوصاف معينة في الدقة والجزئية، وفرسه هو أبدا مطية للصيد واللهو وفي هذه القصيدة إلمام بحركات الطبيعة وتنفساتها، وثورة عناصرها، ينظر إلى البرق والمطر الذي سرعان ما يتحول إلى سيل يبعث الخراب والدمار مقتلعا الأشجار، هادما البيوت، مخلفا أثره ما يخلف الطوفان].

المعلقة

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

 

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

 

لما نسجته من جنوب وشمـال

توضح والمقراة موضعان، ويقال المقراة: غدير يجتمع فيه الماء، قريت الماء: إذا أنت جمعته، والمقراة أيضا الجفنة تتخذها العرب للطعام والشمأل والشمال والشمل واحد.

[رخاء تسح الريح في جنبـاتـهـا

 

كساها الصبا سحق الملاء المذيل]

[ترى بعر الآرام في عرصاتـهـا

 

وقيعانها، كأنه حـب فـلـفـل

كأني غداة البين يوم تـحـمـلـوا

 

لدى سمرات الحي ناقف حنظل]

وقوفا بها صبحي علي مـطـيهـم

 

يقولون لا تهلك أسى وتجـمـل

وقوف جمع واقف وهو نصب على الحال.

فدع عنك شيئا قد مضى لسبيلـه

 

ولكن على ما غالك اليوم أقبل

وقفت بها حتى إذا مـا تـرددت

 

عماية محزون بشوق موكـل]

وإن شفائي عـبـرة مـهـراقة

 

فهل عند رسم دارس من معول

كدأبك من أم الحويرث، قبلـهـا

 

وجارتها أم الرباب بـمـأسـل

 أي كعادتك والمعنى أصابك من هذه المرأة واسمها هرأم الحارث بن ضمضم الكلبي وأم الرباب.
وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. وقال أبو عبيدة أي كحالك وعادتك ومأسل اسم جبل وقيل موضع من كلب أيضا من التعب والنصب كما أصابك من هاتين المرأتين وفيه معنى آخر أن يكون قد لقيت من وقوفك على هذه الديار.

إذا قامتا تضوع المسك مـنـهـمـا

 

نسيم الصباحات جاءت بريا القرنفل

هذا البيت لم يروه الأصمعي، ومعنى تضوع أي أخذ كذا وكذا، يقال للفرخ إذا سمع صوت أمه تتحرك قد ضاع صوت أمه يضوع ضوعا، والنسيم الريح اللينة الهبوب، ونصبه لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف والتقدير، إذا قامتا تضوع المسك إليك منهما تضوعا مثل نسيم الصبا ومثله قول الحجاج:

تاج طواه الأين مما رجفا

 

طي الليالي زلفا فزلفا

أي طيا مثل طي الليالي، وريا الرائحة الطيبة، ويروى إذا التفتت نحوي تضوع ريها.

ففاضت دموع العين مني صبابة

 

على النحر بل دمعي محملي

فاضت: سالت. الصبابة رقة الشوق، والمحمل السير الذي يحمل به السيف والحمايل ولم يسمع بواحدة، والصبابة منصوبة على المصدر، وهو مصدر في موضع الحال، كما تقول جاء زيد مشيا أي ماشيا ونحو قوله تعالى (أصبح ماؤكم غورا) أي غائرا، ويجوز أن يكون نصب صبابة على أنه مفعول من أجله كما تقول جئتك لابتغاء العلم أي من أجل ابتغاء العلم، وأنشد سيبويه لحاتم طيء:

ألا رب يوم صالح لك منهما

 

ولاسيما يوم بدارة جلجـل

السي: المثل يقال هما سيان أي مثلان. وسيما يخفف ويشدد ونصب سيما بلا. ويجوز أن يكون مبنيا مع لا لأن لا تبنى مع المضاف، لأن سي مشبهة بالحروف، ولا تقع الإضافة في الحروف، فلو أضفت إليهن لأزال البناء وأصله سي مشدد.
وحكى الأخفش تخفيفه وخفض ما بعده فإنه جعل ما زائدة للتوكيد ويجوز فيه الرفع على إضمار هو ومن خفض فإضافة سي إليه، وما صلة في سيما ويجوز على البدل من رب يوم، والدارة والدار واحدة، جلجل موضع من الحمى قال أبو عبيدة والأصمعي هي في الحمى، قال هشام هي عند غمر كندة.

ويوم عقرت للعذارى مطيتي

 

فيا عجبا من رحلها المتحمل

الرحل: القتب.

[ويا عجبا من حلها بعد رحلها

 

ويا عجبا للجازر المتبـذل]

فظل العذارى يرتمين بلحمهـا

 

وشحم كهذاب الدمقس المفتل

شرح 16 من المخطوطة: يرتمين، يتهادين به. وينادي بعضهن بعضا، والهداب قال الأصمعي هو الهدب والدمقس الحرير الأبيض والمفتل المفتول.

[تدار علينا بالسديف صحافـهـا

 

ويؤتى إلينا بالعبيط المثـمـل]

ويوم دخلت الخدر خدر عنـيزة

 

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

الخدر: هو الهودج، الويلات جمع ويلة، وعنيزة اسم امرأة من بني كندة، ويقال موضع. إنك مرجلي أي تعقر بعيري، فتدعني راجلة أمشي ونصب خدر عنيزة على البدل من الخدر.

تقول وقد مال الغبيط بـنـا مـعـا

 

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

وقال الأصمعي: إنما قال بعيري ولم يقل ناقتي لأنه كما قال فأجاز الناقة على الذكور لأنها أقوى والبعير يقع على المذكر والمؤنث والغبيط قتب.
وقال أبو عمرو الشيباني الغبيط: الهودج بعينه.
وقال غيرهما مركب من مراكب النساء. معا منصوب لأنه في موضع الحال، وأما قولك جئت معه قال سيبويه نصبها بالألف لأنه ظرف وقال سيبويه سألت الخليل عنه قال لأنه كثر استعمالهم لها مضافة فقالوا جئت معه وجئت من معه، فصارت بمنزلة أمام يعني إنها ظرف.

فقلت لها سيري وأرخي زمامه

 

لا تبعديني من جناك المعلـل

قال الأصمعي جعلها بمنزلة ثمرة الشجرة فجعل لها ما للشجرة من رائحة، وحديثها بمنزلة ما يصيب من رائحة الشجرة وثمرتها، والمعلل بفتح اللام الذي قد عل بالطيب والمعلل بكسر اللام الشاغل ويقال الملهي.

[دعي البكر لا ترثي له من ردافنا

 

وهاتي أيقينا جناة القـرنـفـل

بثغر كمثل الأقـحـوان مـنـور

 

نفي الثنايا أشنب غـير أثـعـل

فمثلك جبلى، قد طرقت ومرضع

 

فألهيتها عن ذي تمائم مـحـول

 يعني ولدا ذا تمايم وهي العود، وروى الأصمعي وأبو عبيدة عن ذي تمايم مغيل يقال اغتيلت المرأة فهي مغيلة، ومغيل، ومغيل والولد مغيل، إذا أرضعت ولدها وهي حبلى أو وطئت، وهي ترضعه يقال: أغالت، وأغيلت، إذا سقط ولدها غيلا والغيل أن ترضع على حمل أو تؤتى أمه، وهي ترضعه.

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له

 

بشق وتحتي شقها لـم يحـول

وروى أبو عبيدة انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحول أي لما قبلها أقبلت تنظر إليه وإلى ولدها فأمالت طرفها إليه وخدها تحته.

ويوما على ظهر الكثيب تعذرت

 

علي وآلت حلفة لم تحـلـل

تعذرت: تمنعت، يقال تعذر فهو متعذر وعذر فهو معذر إذا تعلل بالمعاذير ومنه قوله تعالى (وجاء المعذرون) أي الذين يأتون بالعلل وقيل معناه المعتذرون وأسكنت التاء ودغمت في الذال لقرب المخرج ومن قال المعتذرون فهذا معناه وأسكنت التاء لأنها جاءت بعد العين والعرب تبدل التاء بعدها حسب الحرف الذي يليه، المعذرون أي الذين جاءوا بالعذر وآلت من العذر أي لم يجدها على ما يريد ونصب يوما بتعذرت والكثيب الرمل المجتمع المرتفع على غيره.

أفاطم مهلا بعـض هـذا الـتـدلـل

 

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

يقال أزمعت عن الأمر، وعزمت عليه وأجمعت عليه سواء، والصرم القطيعة، وقوله فأجملي أي في اللفظ، وقال أبو عبيدة: أفاطم أبقي بعض هذا التدلل.

وإن تك قد ساءتك مني خليقة

 

فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

الخليقة: الخلق، والثياب: كناية عن اللقب، نسل ريشه ينسله: إذا رماه. أي أخرجي قلبك من حبي تنسل أي تبين.

أي أغرك مني أن أحبك قاتلي

 

وأنك مهما تأمري القلب يفعل

الغر الذي لم يجرب الأمور وقال:

يا رب مثلك في النساء غريرة

 

بيضاء قد متعتها بـطـلاق

تأمري جزم بالشرط وعلامة جزمه سقوط النون ويفعل جزم بالمجازاة وكسر اللام للقافية وحقها في الكلام السكون.

[وأنك قسمت الفؤاد فنصفـه

 

قتيل ونصفا بالحديد مكبـل]

وما ذرلفت عيناك إلا لتضربي

 

بسهميك في أعشار مقتـل

أي ما بكت عيناك إلا لتجرحي قلبا معشرا، أي مكسرا، يقال برمة أعشار وبقدح أعشار، إذا ما كان قطعا ثم جبرت.
قال الأصمعي: إنما هذا مثل للأعشار والجزور وهي تنقسم على عشرة أنصباء وقوله بسهميك يريد المعلى وله سبعة أنصباء، والرقيب وله ثلاثة أنصباء، فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع، واعلم أن قداح الميسر عشرة، أولها الفذ ثم التوأم ثم الرقيب ثم الحلس بالحاء ثم النافس ثم المسبل والمعلى ثم الوغد ثم السفيح ثم المنيح. فالفذ له نصيب إذا فاز والتوأم له نصيبان وهكذا إلى المعلى وهو السابع وله سبعة أنصباء وثلاثة لا نصيب لها وإنما يتكثر بهذه القداح.
واجتمع لها منهم من العين ثم السفيح والمنيح والوغد، وربما سموا المنيح أحد هذه التي لها الأنصباءش وذلك أن يمنحنه من صاحبه لما عرف من فوز قال الشاعر:

إذا امتحنته من معد عـصـابة

 

غدا ربها قبل المغيضين يقدح

أي ثقة بفوزه وهذا كما قال امرؤ القيس:

إذا ما ركبنا قال ولدان قـومـنـا

 

تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب

وصفة الميسر أن العرب كانت تفتخر به وتعده من مكارم الأخلاق، وتفعله في سنة الجدب لأنهم يطعمون ما يقمرون من اللحم، ويخسرون ثمنه وذلك بأنهم ينحروق الناقة ويقسمونها على عشرة سهام وقيل على أربعة وعشرين.
ثم يأتي واحد بقدحه وقد أصلحه وملسه، ليسرع في الخروج، وقد أعلمه كما قال به علمان من أمام ومن عقب ثم يجعلونها في خريطة ضيقة الفم لا يكاد يخرج منها تسمى الرمانة، فيضعونها على يد رجل عدل عندهم يسمى المجد والمقبض ثم يحملها. ومعنى البيت: أنها ذهبت بقلبي أجمع والمقتل المذلل المنقاد على التشبيه ويقال قلب معشر أي مكسر.

وبيضة خدر لا يرام خبـاؤهـا

 

تمتعت من لهو بها غير معجل

شبهها بالبيضة لصفائها ورقتها والخباء ما كان على عمودين أو ثلاثة والعرب يجعلونها على ستة أعمدة إلى تسعة. غير معحل: غير خائف على مهل.

تجاوزت أحراسا إليها ومعشـرا

 

علي حراصاً لو يسرون مقتلي

 أي هم حراص على إسرار مقتلي، ويروى ينشرون مقتلي بالشين المعجمة أي يظهرون ويسرون بالسين المهملة من الأضداد، يقال أسررت الشيء أظهرته، وأسررته: أخفيته وقال الشاعر:

ولما رأى الحجاج جـرد سـيفـه

 

أسر الذي كان الحروري أضمرا

أي أظهر الحروري، والمعشر بنو عمها وعشيرتها.

إذا ما الثريا في السماء تعرضت

 

تعرض أثناء الوشاح المفضل

ويروى المفصل الوشاح هو ما يعمل من كل لون، والمفصل الذي فيه فصل الزبرجد وأثناء الوشاح نواحيه، وواحد الأثناء ثنيء، وثني وثنو، وتعرض نصب على المصدر.

فجئت وقد نضت لنوم ثيابهـا

 

لدى الستر إلا لبسة المتفضل

لدى بمعنى عند، نضت: سلخت، ولبسة المتفصل: ثوبها الذي يلي جسدها، وقال بعض المفسرين لهذا البيت معنى قوله إلا لبسة المتفضل: يعني ما جعل الله من الحسن والمتفضل هو الله وهو وجه حسن، والفضلة الثياب تبتذل للنوم، والعمل، والمتفضل الذي يبقى في ثوب واحد لينام فيه أو يعمل عملا، واسم الثياب المتفضل ويقال للأول من الثياب فضل أيضا وأما المفضل فهو الإزار الذي ينام فيه.
وليست تكون للحال، ما أحسن بالكسر لبسته وقعدته فإن أردت المرة الواحدة قلت ما أحسن لبسته وقعدته بالفتح.

فقالت يمين الله مـا لـك حـيلة

 

وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

يمين الله منصوبة بمعنى إني حلفت بيمين الله فلما ألغى نصب وأسقط الحرف فتعدى بالفعل، ويروى يمين الله بالرفع على الابتداء، واليمين محذوف: أي يمين الله قسمي أو علي، وإن في قوله ما إن أرى عنك الغواية تأكيد لما على الغواية تنجلى من غوى غواية وتنجلي: تنكشف، وجليت الشيء كشفته.
وروى الأصمعي وما إن أرى عنك العماية تنجلي والعماية مصدر عمي قلبه يعمى عماية وعمى. ومعنى البيت: إنها خافت أن يظهر عليهما ويعلم بأمرهما. فالمعنى ما لك حيلة في التخلص، ويجوز أن يكون المعنى ما لك حيلة فيما قصدت له.

فقمت بها أمشي تجر وراءنـا

 

على إثرنا أذيال مرط مرحل

ويروى على أثرينا ذيل مريط، ويروى خرجت بها، والأذيال جمع ذبل، والمرط: كساء من خز معلم، والأثر والإثر واحد، والمرحل بالحاء المهملة الذي فيه صور الرجال من الوشي. ويقال ضرب من البرود الموشاة.
ويقال للمرحل: المعلم، ويروى المرجل بالجيم أي علية أنملة الرجال من الوشي، وهو النقش،وقوله أمشي في موضع النصب على الحال، ومعنى البيت: إنها لما أنب قالت له ما لك حيلة فخرج بها إلى الخلوة.

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحـى

 

بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

أجزنا وجزنا بمعنى واحد، وقال الأصمعي أجزناه قطعناه وخلفناه، وجزنا: سرنا فيه، والساحة: الباحة الفجوة، والغروة والنالة فناء الدار.
يقال هي الرحبة كالعرصة، وهو ما اتسع من الأرض، وانتحى: ناء. الخبت بطن من الأرض غامض. ويروى بطن حقف والحقف ما اعوج من الرمل، وانثنى وجمعه أحقاف، والحقف ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلا.
ويروى ذي ركام والركام ما يركب بعضه بعضا من الكثرة، والعقنقل المعقد الداخل بعضه في بعض، وعقنقل الضب بطنه المنعقد، وهو كشيته وبيضه، وشحمه من أصل حلقه إلى رفغه.
وجواب فلما أجزنا هصرت.

هصرت بفودي رأسها فتمايلت

 

لي هضيم الكشح ريا المخلخل

وزعم بعضهم أن جواب لما قوله انتحى بنا والواو مقحمة، ويجوز أن تكون الواو غير مقحمة والجواب محذوفا تقديره: فلما أجزنا ساحة الحي أمنا. وعلى هذا الوجه تكون رواية البيت الذي يليه، إذا قلت هاتي نوليني تمايلت، ويروى مددت بغصني دومة، ودومة شجرة والفوادان جانبا الرأس. وهما القرنان أيضا والقرون أيضا غدائر الرأس سميت بذلك لمنبتها على قرون الرأس، ومعنى هصرت جذبت وثنيت، والكشح ما بين منقع الأضلاع إلى الورك، والهضيم: الضامر. والريا الممتلئة، من اللحم، والمخلخل: موضع الخلخال. يصف رقة خصرها وعبالة ساقيها. وهضيم منصوب على الحال، وكذلك ريا المخلخل.
ومن روى إذا قلت هاتي نوليني فتكون إذا ظرف وتمايلت هو الجواب، وإذا من حروف الشرط، وشبهها بها أنها ترد الماضي إلى المستقبل. ألا ترى أنك إذا قلت: إذا قمت قمت معناه إذا تقوم أقوم، وأيضا فلأنه لا بد لها من جواب كحروف الشرط لأنه لا يليها إلا فعل، فإن وليها اسم أضمرت فعلا كقول الشاعر:  

إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته

 

فقام بفأس بين وصليك جازر

والتقدير إذا بلغت ابن أبي موسى، وروى سيبويه إذا ابن أبي موسى بالرفع، وزعم أبو العباس أن هذا غلط، أن يرفع ما بعد إذا الابتدائية، ولكنه يجوز الرفع عنده بتقدير إذا بلغ ابن أبي موسى. والخليل وأصحابه يستقبحون أن يجاز. وأما إذا وإن كانت تشبه حروف المجازاة في بعض أحوالها، فإنها تخالفهن بأن ما بعدها يقع موقتا لأنك إذا قلت لابنك إذا احمر الأقحوان فهو وقت بعينه. وكذلك (إذا السماء انشقت) وقت بعينه، ولهذا قبيح أن يجازى بها إلا في الشعر قال الشاعر:

يرفع لي خندف والله يرفع لي

 

نارا إذا ما خبت نيرانهم تقد

وهضيم عند الكوفيين بمعنى مهضومة فلذلك كان بلا هاء وهي عند سيبويه على النسب، وأراد بالكشح: الكشحين كما تقول كحلت عيني تريد عيني وريا فعلى من الري وهو إنهاء شرب العطشان، ومعنى البيت أنه إذا قال لها نوليني تمايلت عليه مكتنزة اللحم.

[إذا التفتت نحوي تضوع ريحهـا

 

نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل]

مهفهفة بيضاء غـير مـفـاضة

 

ترائبها مصقوله كالسجنـجـل

المهفهفة: الخفيفة اللحم التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن، والمفاضة المسترخية البطن من قولهم حديث مستفيض، وقيل مهفهفة معناه أنها لطيفة الخصر والترائب جمع تريبة وهي موضع القلادة من الصدر.
والسجنجل: المرآة قال يعقوب هذا حرف رومي وقيل سبيكة الفضة.
ورواية أبي عبيدة مصقولة بالسجنجل، وقيل السجنجل الزعفران وقيل ماء الذهب ومهفهفة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف والكاف في قوله كالسجنجل في موضع رفع نعت لقوله مصقولة، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أن يكون نعتا لمصدر غدون، كأنه قال مصقولة صقلا كالسجنجل، وإنما يصف المرأة بحداثة السن. وجمع السجنجل سجاجل، ومن رواه بالسجنجل فالجار والمجرور في موضع نصب.

تصد وتبدي عن أسيل وتتـقـي

 

بناظرة من وحش وجرة مطفل

أي تعرض عنا وتبدي عن خد أسيل ليس بكز ولا بمكثف، وتتقي تلقانا بناظرة يعني عينها، والوحش ها هنا البقر الوحشي، والظباء، وجرة موضع، ويقال أراد الظباء فقط.
ويروى تصد وتبدى عن شنيب أي ثغر شنيب، والشنيب [والأشنب حدة الأسنان] وذات طفل: قال الفراء لم يقل مطفلة لأن هذا لا يكون إلا للنساء فصار عنده مثل حائض وهو على مذهب سيبويه على النسب كأنه قال ذات طفل، والدليل على صحة قوله أنه يقال مطفلة إذا أردت أن يأتي به على قولك هي أطفلت فهي مطفلة ولو كان يقع للمؤنث لا يشركه فيه المذكر ولا يحتاج إليه الهاء فيه ما جاز مطفلة قال تعالى: (تذهل كل مرضعة عما أرضعت).
وقوله بناظرة أي بعين ناظرة قال ابن كيسان: كأنه قال بناظرة مطفل من وحش وجرة غلط فجاء بالتنوين كما قال الآخر:

رحم الله أعظما دفنـوهـا

 

بسجستان طلحة الطلحات

تقديره رحم الله أعظم طلحة، فنون ثم أعرب بإعراب أعظم والأجود إذا فرق بين المضاف والمضاف إليه إلا ينون كقوله:

كأن أصوات من إيغالهن بـنـا

 

أواخر الميس إنقاض الفراريج

كأنه قال: كأن أصوات أواخر الميس.
وفي بيت امرئ القيس تقدير أحسن من هذا وهو أن يكون التقدير بناظرة من وحش وجرة ناظرة مطفل، ويحذف ناظرة ويقيم مطفلا مكانه وكذلك قوله طلحة الطلحات كأنه قال أعظم طلحة الطلحات.
ومعنى الشنيب لها ثغر حيثما تأتي تبتسم، فيبدو لنا ثغرها، وتتقي أي تتلقانا به والإعراض عنا بملاحظتها كما تلاحظ الظبية ولدها وذلك أحسن ما يكون من غنج المرأة، والصد الاعراض، والإبداء: الظهور، والأسالة امتداد وطول في الخد، أي بناظر من نواظر وحش هذا الموضع التي لها أطفال من ظبية مطفلة ومهاة مطفل، وفي قوله وجرة حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش

 

إذا هي نصته ولا بمعطل

نصته: رفعته، والمعطل الذي خلي حليه، والفاحش: الكريه، وليس بفاحش أي ليس بكريه المنظر، وهو نحرها.

وفرغ يزين المتن أسود فاحم

 

أثيث كقنو النخلة المتعثكل

 الفرع الشعر التام وأعلى كل شيء فرع، والمتن والمتنة ما يلي يمين الصلب وشماله من العصب واللحم، والفاحم الشديد السواد، مشتق من الفحم يقال هو فحم بين الفحومة، والأثيث: الكثير، والمتعثكل: الداخل بعضه في بعض واحدة عثكول وعثكال كشمروخ وشمراخ، وقد يكون العثكال والعثكول في اللغة بمعنى طعمة من القنو، والنخلة المعثكلة التي خرج عناقيدها أي قنواتها، وقيل المتعثكل المتدلي.
يقول: تبدي عن شعر طويل نام يزين ظهرها إذا أرسلته عليه ثم شبه ذوائبها بقنو نخلة أخرجت قنواتها والذوائب تشبه العناقيد.

غدائره مستشزرات إلى الـعـلا

 

تضل العقاص في مثنى ومرسل

أصل الشزر: الفتل على غير الجهة والشيء أدبرت به عن صدرك فهو الدبير، والبسر ما أقبلت به على صدرك وهو القبيل، والانشزار الرفع والارتفاع جميعا يكون لازما ومتعديا فمن رواه مستشزرات بكسر الزاي جعله لازما، ومن رواه بفتحها جعله متعديا، والعقاص جمع عقيصة وهو ما جمع من الشعر، ففتل تحت الذوائب وهي مشطة معروفة، يرسلون فيها بعض الشعر، ويثنون بعضه، فالذي فتل بعضه على بعض هو المثنى والمرسل: المسرح غير المفتول فذلك قوله في مثنى ومرسل.
ورواية ابن الأعرابي مستشزرات بكسر الزاي أي مرتفعات، ويروى يضل العقاص بالياء على أن العقاص واحد.
قال ابن كيسان هو المذري فكأنه يستتر في الشعر لكثرته، وأما العقيصة: الخصلة المجموعة من الشعر، والجمع عقيص وعقاص وعقائص ويروى تضل المذاري أي من كثافة شعرها، والمذري مثل الشوكة يصلح بها شعرها.

وكشح لطيف كالجديل مخصر

 

وساق كأنبوب السقي المذلل

اللطيف أراد به الصغير الحسن، والعرب إذا وصفت شيئا بالحسن جعلته لطيفا والجديل زمام من السيور مجدول ومفتول فيجيء حسنا لينا ينثني مشتقا من الجدل وهو شدة الخلق، ومنه الأجدل والمجادلة والأنبوب البردي الذي ينبت وسط النخلة، والسقي النخل المسقي، كأنه قال كأنبوب النخل المسقي والمذلل فيه أقوال: أحدها أنه الذي تثنيه أدنى الرياح لنعومته يقال نخل مذلل إذا امتدت أقناؤها، فاستوت شبه ساقها ببردي قد نبت تحت نخل، والنخل تظله الشمس، وذلك أحسن ما يكون منه. وقيل معنى المذلل له الماء وقيل المذلل الماء الذي خاضه الناس.
وقيل المذلل الذي قد عطف ثمرة ليجتني والأنبوب الكعب من القصب.

ويضحي فتيت المسك فوق فراشها

 

نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

أي ما تحات عن جلدها في فراشها، وقيل كأن به المسك من طيب جسدها، لأن أحدا لها فيها مسكا. واحتج بقوله وجدت بها طيبا وإن لم تطيب، وقوله ويضحي أي ويدخل في الضحى، يقال أظلم إذا دخل في الظلام، ولا يحتاج هذا إلى خبر، ونؤوم منصوب على أعني وفيه معنى المدح ولا يجوز نصبه على الحال.
ألا ترى أنك إذا قلت جاءني غلام هند مسرعة لم يجز أن تنصب مسرعة على الحال من هند إلا على حيلة، والعلة في هذا أن الفعل لم يعمل في هذا شيئا، والحيلة التي يجوز عليها أن معنى جاءني في غلام هند فيه معنى تحثه فتنصبه وروى نؤوم على معنى هي نؤوم ويجوز نؤوم على البدل من الضمير الذي في فراشها، والضحى مؤنثة تأنيث صيغة ولا تعد فيه (ألف تأنيث) فإنها بمنزلة (موسى) وتصغير ضحى ضحي، والقياس ضحية إلا أنه لو قيل ضحية لأشبه تصغير ضحوة والضحى قبل الضحاء والانتطاق: الائتزار (للعمل) والمهنة.
ويجوز نصب نؤوم على المدح ومعنى عن تفضل أي بعد تفضل.
وقال أبو عبيدة: أي لم تنتطق، فتعمل وتطوف ولكنها تتفضل ولا تنتطق، وقيل التفضل هو التوشح وهو لبسها أدنى ثيابها، والانتطاق؛ الائتزار للعمل. يريد أنها مخدمة منعمة تخدم ولا تخدم والاضحاء مصادفة الاضحاء، وتقول رجل نؤوم وامرأة نؤوم ومنه توبة نصوحا.

وتعطو برخص غير شئن كأنـه

 

أساريع ظبي في مساويك إسحل

 الإعطاء: المنادلة، والمعاطاة الخدمة، والتعطية مثلها، برخص أي ببنان رخص، والرخص اللين الناعم، وغير شئن أي غير كز غليظ خشن، والأساريع جمع أسروع ويسروع دود يكون في البقل والأماكن الندية، يشبه النساء، وظبي اسم كئيب وهو الجبل من الرمل، وقيل الأساريع دواب تكون في الرمل وقيل في الحشيش، ظهورها ملس مثل سحم الأرض، ويقال يساريع وقيل هي دواب تسمى بنات التقى: بفتح التاء والأسحل شجر له أغصان ناعمة شبه أناملها بأساريع أو مساويك للينها.

تضيء الظلام بالعشاء كأنها

 

منارة ممسى راهب متبتل

أي في العشاء: أي كأنها سراج منارة وقيل هي على غير حذف، والمعنى إن منارة الراهب تشرق بالليل إذا أوقد فيها قنديلة، والمنارة مفعلة، وخص الراهب لأنه لا يطفى سراجه والجمع منائر ومناور لغتان شاذتان لا يقاس عليهما بكسر الميم وفتحها وممسى راهب إي إمساء راهبن والتبتل الانقطاع عن الناس للعبادة ومتبتل صفة للراهب ومعنى البيت إنها وضيئة الوجه إذا ابتسمت بالليل رأيت لثناياها بريقا وضوءا وإذا برزت في الظلام استنار وجهها وظهر جمالها حتى يغلب ظلمة الليل.

إلى مثلها يرنو الحلـيم صـبـابة

 

إذا ما اسبكرت بين درع ومجول

يرنو: أي يديم النظر، الصبا رقة الشوق، وهو مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله واسبكرت امتدت وتمت، ويقال سفر مسبكر للمنبسط. قال أبو عبيدة المسبكر التام الممتلى، يقال اسبكرت إذا تم شأنها والمراد به تمام شبابها. بين درع ومجول أي سنها بين من يلبس الدرع وبين من يلبس المجول لأن الدرع للنساء، والمجول للصبايا، والدرع ثوب مهذب لا تكف أسافله، والمجول: الرداء وقيل الثوب الأبيض، وقيل الوشاح والإزرار، أي أنها بين الكبيرة التي تلبس الدرع وبين الصغيرة التي تلبس المجول أي ليست بصغيرة ولا بكبيرة بل هي بينهما وإلى تتعلق بيرنو.

كبكر المقاناة البياض بصفرة

 

غذاها نمير غير محـلـل

البكر هنا أول بيض النعام، أي أول بيضة قد تبيضها النعامة، وبكر كل شيء أوله والمقاناة المخالطة، يقال قانيت بين الشيئين إذا خلطت أحدهما بالآخر. وما يقانيني فلان أي ما يشاكلني، وهي في البيت المقاناة دون المصدر، والنمير الماء الناشئ في الجسد، وقيل النمير العذب، ويقال النمير الذي ينجع في الشارب وإن لم يكن عذبا لأنه ليس كل عذب نميرا.
ومن روى محلل بكسر اللام أراد أنه ينقطع سريعا، وغير منصوب على الحال، وتقديره كبكر البيض المقاناة، وأدخل الهاء لتأنيث الجماعة، كأنه قال كبكر جماعة البيض ونصب البياض على أنه خبر ما لم يسم فاعله واسم ما لم يسم فاعله مضمر والمعنى كبكر البيض الذي قوني هو البياض كما تقول مررت بالمعطي الدرهم.
ومن روى البياض بالجر شبهه بالحسن الوجه وفيه بعد لأنه شبه بما ليس من بابه وقد أجازوا بالمعطى الدرهم.
وغير هذا قال ابن كيسان ويروى كبكر المقاناة بياضه وجعل الألف واللام مقام الهاء ومثله قوله تعالى (فإن الجنة هي المأوى) أي هذا مأواه وهذا كأنه مقيس على قول الكوفيين لأنهم يجيزون مررت بالرجل الحسن الوجه أي الحسن وجهه يقيمون الألف واللام مقام الهاء.
وقال الزجاج بالرجل هذا خطأ لأنك لو قلت مررت بالرجل الحسن الوجه لم يعد على الرجل من نعته شيء وأما قولهم إن الألف واللام بمنزلة الهاء فخطأ لأنه لو كان هذا هكذا لجاز زيد الأب منطلق تريد أبوه منطلق، وأما قوله تعالى (فإن الجنة هي المأوى) أي هي المأوى له ثم حذف ذلك لعلم السامع ومعنى البيت أنه يصف أن بياضها تخالطه صفرة والآخر أنها حسنة الغذاء، وقيل أراد بالبكر هنا الدرة التي لم تثقب. وهكذا لون الدرة. ويصف أن هذه الدرة بين الماء الملح والعذب فهو أحسن ما يكون، فأما على القول الأول، فإن غذاها يكون راجعا إلى المرأة أي نشأت بأرض مريئة.

تسلت عمايات الرجال عن الصبا

 

وليس فؤادي عن هواها بمنسلي

يقال سلا يسلو سلوا إذا خلا أي زال حبه عن قلبه، والعماية والعمى واحد والفعل عمي يعمى، وزغم الأكثرون في البيت قلبا تقديره: تسلت الرجال عن عمايات الصبا: أي خرجوا عن ظلماته، وليس فؤادي خارجا عن هواها.
 وزعم بعضهم أن عن في البيت بمعنى بعد أي انكشف، وبطلت صبايات الرجال بعد صباهم ويروى عن هواك، وعن صباه، والصبا أن يفعل فعل الصبيان، يقال صبا إلى اللهو يصبو صباء وصبوا، والعمايات جمع عماية وهي الجهالة ومنسلي منفعل من السلو وعن الأولى متعلقة بتسلت والثانية بمنسل وليس فؤادي عن هواه.

ألا رب خصم فيك ألوى رددته

 

نصيح على تعذاله غير مؤتل

الألوى: الشديد الخصومة، كأنه يلتوي على خصمه بالحجج، والتعذال: التفعال من العذل والتعذال والعذل بسكون الذال والعذل بفتحها واحد، وغير مؤتل غير مقصر في النصيحة والعذل، رددته، أي لم أقبل منه نصيحة، ومعنى غير مؤتل أي غير تارك نصحي بجهده، يقال ما ألوت أن أفعل كذا وكذا، وقد يكون مؤتل غير هذا من البيت، وائتليت به حلفت وقيل في قوله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة) أي لا يحلف أولو السعة أن يؤتوا أولي القربى، ويجوز أن يكون المعنى، ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا والخصم يقع للواحد والاثنين والجمع والمؤنث على لفظ واحد، كما تقول رجل عدل،ورجال عدل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.

وليل كموج البحر أرخى سدوله

 

علي بأنواع الهموم ليبتـلـي

قوله كموح البحر أي في كثافة ظلمته، وسدولة أطرافه، وقيل ستوره واحده سدل، سدل ثوبه إذا أرخاه، ولم يضمه، وقوله: بأنواع الهموم أي يطرد بها كالحزن والجزع ونحوه والباء بمعنى مع، ليبتلي أي لينظر ما عندي من الصبر، ويبتلي بمعنى ليختبر، ومعنى البيت أنه يخبر أن الليل قد طال عليه وسدوله ينتصب بمرخ وعلي تتعلق بمرخ وكذلك الباء بأنواع الهموم.

فقلت له لما تمطى بصلبـه

 

وأردف أعجازا وناء بكلكل

تمطى: امتد، وروى الأصمعي لما تمطى بجوزه أي امتد بجوزه، والجوز: الوسط وأردف أعجازا أي رجع.

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلـي

 

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلا انجلي في موضع السكون وهو مبني على حذف الياء ووردت بإثبات الألف بقوله تعالى (سنقرئك فلا تنسى) وبإثبات الألف أيضا في قوله.

إذا الجوزاء أردفت الثريا

 

ظننت بآل فاطمة الظنونا

وبإثبات الياء في قوله:

ألم يأتيك والأنباء تنمـي

 

بما لاقت لبون بني زياد

وبإثبات الواو في قوله:

هجوت زبان ثم جئت معـتـذرا

 

من سب زبان لم تهجو ولم تدع

ومعنى البيت أنا معذب والليل والنهار عندي سواء.
الانجلاء هو الانكشاف كقوله [تعالى] (ولا يجليها لوقتها إلا هو) أي لا يكشفها ويروى: وما الإصباح منك بأمثل فمنك ينوي بها التأخير، لأنها في غير موضعها لأن حق "من"، أن تقع بعد أفعل.
وأما قولهم في قوله ناب فهو في مكان المعنى ناب منها بخبر فهو غلط، لأن الشيء إذا كان في موضعه لم يقدر في غير موضعه فحق من ارتفع بعد أفعل، وهي في موضعها والمعنى: إذا جاء الصبح فإني أيضا مهموم، وقيل معنى فيك بأمثل إذا جاءني الصبح وأنا فيك فليس ذلك بأمثل لأن الصبح قد يجيء والليل مظلم بعد، وفيك تتعلق بأمثل.

فيا لك من ليل، كأن نجومـه

 

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

معناه: كأن نجومه شدت بيذبل وهو جبل، والمغار المحكم الفتل، ويقال أغرت وفي قوله: فيا لك من ليل فيه معنى التعجب كما تقول فيا لك من فارس.

كأن الثريا علقت في مصامها

 

بأمراس كتان إلى صم جندل

مصامها: موضعها، والأمراس الحبال، واحدها مرس، ويروى كأن نجوما علقت والجندل: الحجارة، والصم: الصلاب، وفيه تفسيران: أحدهما أنه يصف طول الليل بقول كأن النجوم مشدودة بحبال إلى حجارة فليست بمعنى.
ومصامها هو مواضع وقوفها وفي والياء وإلى متعلقة بقوله علقت.
والتفسير الثاني على رواية من يروي هذا البيت مؤخرا عند صفة الفرس بحيال كتان إلى صم جندل وشبه حوافره بالحجارة ويروى بعض الرواة ههنا أربعة أبيات وذكر أنها من هذه القصيدة وخالف فيها سائر الرواة وزعموا أنها لتأبط شرا.

وقربة أقوام جعلت عصامها

 

على كاهل في ذلول مرجل

عصام القربة: الحبل الذي تحمل به، ويضعها الرجل على عاتقه وعلى صدره والكاهل موصل العنق والظهر يصف نفسه أنه يخدم أصحابه.

وواد كجوف العير قفر قطعتـه

 

به الذئب يعوي كالخليع المعيل

 فيه قولان: أحدهما أن جوف العير لا ينتفع منه بشيء، يعني العير الوحشي. والقول الثاني: إن العير ها هنا رجل من العمالقة كان له بنون، وواد خصب، وكان حسن الطريقة، فسافر بنوه في بعض أسفارهم فأصابتهم صاعقة فأحرقتهم، فكفر بالله، وقال: لا أعبد ربا أحرق بني، وأخذ في عبادة الأصنام. فسلط الله على واديه نارا والوادي بلغة أهل اليمن: الجوف فأحرقته فما أبقى له شيئا، وهو تضرب به الأمثال فيما لا بقير فيه. والخليع المقامر، وقيل هو الذي قد خلع عذاره، فلا يبالي بما ارتكب، وقيل الخليع المخلوع الذي خلعه قومه، إذا قتل لا يطلب بنو عمه بثأره، وإذا قتل لا يطالب بنو عمه بثأر من قتل، والمعتل الكثير الخطأ، والكاف منصوب بيعوي.

فقلت له لما عوى إن شأنـنـا

 

قليل الغنى إن كنت لما تهول

أي أن كنت لم تصب من الغنى ما يكفيك، وقوله إن شأننا قليل الغنى أنا لا أغنى عنك، وأنت لا تغني عني، أي أنا أطلب وأنت تطلب فكلانا لا غنى له ومن رواه طويل الغنى أراد همتي تطول في طلب الغنى.

طرحت له نعلا من السبت طـلـه

 

خلاف ندى من آخر الليل مخضل

كلانا إذا مـا نـال شـيئا أقـاتـه

 

ومن يحترث وحـرثـك يهـزل

أي إذا نلت شيئا أقته وكذلك أنت إذا أصبت شيئا أقته، ومن يحرث حرثي وحرثك أي يطلب مني ومنك لم يدرك مراده.
وقال قوم: من كان هذا فيه وطلبته مثل طلبتي وطلبتك في هذا الوضع مات هزالا لأنهما كانا بواد لا نبات فيه ولا صيد فهذه الأبيات الأربعة من الزيادات فيها.

وقد أغتدي والطير في وكناتها

 

بمنجرد قيد الأوابد هـيكـل

أغتدي: أخرج غدوة، والطير ساكنة لم تطر، ويروى في وكراتها، والوكر حيث يسقط الطائر للمبيت أي موضعها التي تبيت فيها، والوكر أيضا: مواضع العش، والوكنات في الجبال كالتماريد في السهل واحدها تمراد وهو برج صغير للحمام الواحدة وكنة، وهي الوقنات أيضا وقد وكن الطائر يكن ووقن يقن ووكر يكر؛ إذا أوى إلى وكن. وقيل لا واحد لها فمن قال واحدها وكنة، جمع وكنة على وكنات، كما تقول غرفة وغرفات فهذا الجيد ليفرق بين الاسم والنفس فتقول في النعت حلو حلوات وفي الاسم الذي ليس بنعت وكنة وكنات وركبة ركبات وإن شئت أبدلت من الضمة فتحة فقلت ركبات، وإن شئت أسكنت لثقل الضمة فقلت وكنات وغرفات. وإن شئت أبدلت من الواو همزة فقلت أكنات ومثله [قوله تعالى] (إذا الرسل أقتت) وإنما هو الوقت وفيه القراءتان وقال أبو حاتم جمع وكرا على وكر ثم جمع وكرا على وكرات، وكذلك وكنات فهي جمع الجمع، والواو في الطير واو الحال والجملة في موضع نصب حال، يقول قد أغتدي في هذه الحال بفرس منجرد فأقام النعت مقام المنعوت أي قصير الشعر والأوابد الوحش، وكذلك أوابد الشعر وتقديره قيد الأوابد تقييد ذي الأوابد ثم حذف ذي الأوابد. والمعنى أن هذه الفرس من سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد. وهذا الكلام جيد بالغ لم يسبقه إليه أحد والهيكل الضخم.

مكر مفر مقـبـل مـدبـر مـعـا

 

كجلمود صخر حطه السيل من عل

أي يصلح للكر والفر، إذا أقبل حسن الإقبال وإن أدبر حسن الأدبار، وقوله معا أي عنده هذا وعنده هذا، كما يقال فارس راجل أي قد جمع هذين والجلمود الصخرة الملساء التي ليست بالكبيرة، وحطه أي حدره السيل بقوته، من عل أي من مكان عال، وفيه ثمان لغات تقول جئته من عل ومن عل ياهذا، ومن علو يا هذا، ومن علو، ومن علا وأنشد يونس.

فهي تنوش الحوض نوشا من علا

 

نوشا به تقطع أجواز الـفـلا

ويقال حئتك من عال ومن معال، ومن معالى.
فمن قال: من علا، جعله نكرة، كأنه قال من موضع عال، ومن قال: من عل يا هذا فهو معرفة وتقديره من فوق ما تعلم، وقال سيبويه: فالمضارعة من علو قد حكوه لأنهم يقولون من عل فيجزونه، فمعنى هذا أن على عنده كان مما يجب أن لا يحرك، إلا أنه لما أشبه المتمكن أعطوه فضيله، وهي الحركة، واختير له الضم لأنه غاية الحركات.
وقيل: لأن الضم لا يدخل الظروف بحق الإعراب وإنما يدخلها الإعراب النصب والخفض، فيبنى على حركة ليست له، فصار من هذه الجهة بمنزلة قبل وبعد وهكذا القول فيمن قال من عل، ومن قال جئت من علو جعله نكرة وجاء به على التمام، ومن ضم قدره معرفة، ومن قال جئتك من عال فمعناه من مكان عال ثم أقام الصفة مقام الموصوف.
 ولا يجوز أن نبني في هذه اللغة لأنه لم يحذف منه شيء ومن قال من معال فمعناه كمعنى عال ومن قال معالي فمعناه من مكان عال.
ومعنى هذا البيت أنه يصف أن هذا الفرس في سرعته بمنزلة هذه الصخرة التي حطها السيل في سرعة انحدارها وأن هذا الفرس حسن الإقبال والإدبار كهذه الصخرة.

كميت يزل اللبد عن حال متنه

 

كما زلت الصفواء بالمتنزل

حال متنه: موضع اللبد وإضافة إلى المتنزل الذي ينزل منه لقربه منه والمتن ما اتصل بالظهر من العجز يذكر ويؤنث والمتنزل الطائر الذي ينزل على الصخرة، فيحطه السيل وقيل المتنزل السيل لأنه ينزل الأشياء. وقيل هو المطر، والصفواء الصخرة الملساء وقد تكون الصفواء جمع مصفاة كما قالوا طرفة، وطرفاء وقصبة وقصباء، وخلقة، وخلقاء وذكر الفراء خلفة بكسر اللام كل هذا اسم للجمع لأنه لا ينقاس في نظائره ويروى عن حاذ متنه: أي وسطه. شبه ملامسة ظهر الفرس لإكثار اللحم عليه، وامتلائه بالصفاة الملساء ويقال صفوان وجمعه صفوان، وجمع صفاة صفا.

على الذبل جياش كأن اهتزامه

 

إذا حاش حميه غلي مرجل

الذبل: الضمور ويروى على الضمر، الجياش الذي يجيش في عدوه كما تجيش القدر في غليانها وهو بمعنى الكثير مبالغة في جاش، وجاش البحر جيشان إذا ماجت أمواجه.
ويروى على المضمر الجياش، واهتزامه: صوته بشدة، وحميه: غليه.
ويروى على العقب جياش، والعقب جري بعد جري، وقيل معناه إذا حركته بعقبك جاش وكفى ذلك من السوط وعلى العقب في موضع الحال.
ومعنى هذا البيت أن هذا الفرس آخر عدوه على هذه الحال فكيف أوله؟

[مسح إذا ما السابحات على الونى

 

أثرن الغبار بالكديد المـركـل]

مسح: سريع يسح أي يصب العدو في جريه صبا والسابحات اللواتي كأن عدوها من سباحة والسباحة في الجري أي تدحو بأيديها دحوا أي تبسطها، والونى الفتور قال الفراء يمد ويقصر والكديد الأرض الغليظة الصلبة وقيل ما كد من الأرض بالوطء والمركل الموطوء بالحوافر أي يركل بالأرجل ومعنى البيت أن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس سهلا مهلا كما يسح السحاب المطر وعلى تتعلق بأثرن وكذلك الباء في الكديد.

يزل الغلام الخف عن صهواته

 

ويلوي بأثواب العنيف المثقل

يزل: يزلق، الخف: الخفيف، صهواته، جمع صهوة، وهي موضع اللبد وقال أبو عبيدة من مقلوب ويلوي بنا أي يذهب بنا، والعنيف الذي لا رفق فيه والمثقل الثقيل الركوب، ويحتمل الثقل الثقيل البدن.
ويروى يزل الغلام والمعنى يزل الفرس الغلام الخف وقال عن صهواته، وإنما هي صهوة واحدة والتقدير أنه جمعها بما حواليه، ومعناه أن هذا الفرس إذا ركبه الخفيف لم يتمالك أن يصلح شيئا عليه وإذا ركبه الغلام زل عنه وزاغ الفرس من تحته وإنما يصلح له من يداريه.

درير كخذروف الوليد أمره

 

تتابع كفيه بخيط موصل

أي مندر في العدو، وقيل الدرير السريع، والخذروف الخرارة التي يلعب بها الصبيان يسمع لها صوت، والإمرار الفتل، وقيل هي النشابة والإمرار إسراع الفتل، وإحكامه بقوة ومنه قوله تعالى (ذو مرة فاستوى) والوليد الصبي وقوله بخيط موصل قد لعب به حتى خف وملس فيقطع ويوصل.

له أيطلا ظبي وساقا نـعـامة

 

وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

الظبي هنا اسم جبل، والأيطلان الخاصرتان، والإرخاء جرى فيه سهولة والسرحان الذئب والتقريب دون العدو، وهو أن يرفع يديه معا، ويضمهما معا، والتتفل ولد الثعلب، وها هنا التتفل وهو الثعلب نفسه، وإنما شبه عدو الفرس بعدو من كل جهة لأنه يقال تذاءبت الريح من كل جهة إذا جاءت، وله أسماء يقال ذئب، وسرحان، وسلق، وأويس، وسيد، وقد أوضحناه في غرر المعارف ودرر العوارف. ويقال لولد الثعلب تتفل بفتح التاء وضم الفاء وتتفل بضم التاء وفتح الفاء ولو سميت الرجل يتتفل أو تتفل لم تصرفه في المعرفة لأنه على مثال تفعل وتفعل ولو سميته بتتفل لصرفته في المعرفة والنكرة لأنه ليس في الأفعال تفعل وقوله ساقا نعامة ومعناه أنه قصير الساقين، صلبهما كالنعامة وذلك محمود في الخيل.

ضليع إذا استدبرته سـد فـرجـه

 

بضاف فويق الأرض ليس بأعزل

 الضليع: القوي المنتفخ الجنبين، وقيل الضليع الشديد، وقيل هو الذي يضلع بما حمل وفرجه ما بين رجليه، بضاف أي ذنب طويل والأعزل الذي ذنبه في شق وهو عيب في الخيل.

كأن سراته لدى البيت [قـائمـا]

 

مداك عروس أو صلاية حنظل

سراته: ظهره، لدى البيت: عند البيت، المداك: الحجر الذي يسحق به الطيب، الصلاية التي يسحق عليها المبيد، وهو الحنظل، ويروى صراية حنظل وهي الحنظلة الخضراء.

كأن دماء الهاديات بنـحـره

 

عصارة حناء بشيب مرجل

الهاديات: المقدمات وهادي كل شيء أوله ونحره أعلى صدره ومرجل: مسرح.

فعن لنا سرب كأن نعـاجـه

 

عذارى دوار في ملاء مذبل

عن اعترض قال أبو العباس محمد بن يزيد السرب القطيع من البقر والظباء والنساء ولا يستعمل في غير القطيع إلا الفتح.
وقال غيره السرب: القطيع من الظباء والبقر خاصة وهو هنا البقر، ودوار اسم صنم في الجاهلية كانوا يطوفون حوله وهم عراة، وأتى بعضهم إلى بني عدي فوجدهم يطوفون بدوار عراة فأعجبه ما رأى من محاسن النساء فقال:

ألا ليت أخوالي عـديا

 

لهم في ما أتى دوار

وكذلك كانوا يطوفون في البيت الحرام عراة أيضا في الجاهلية فقالت امرأة:

اليوم يبدو بعضه أوكله

 

وما بدا منه فلا أحله

أصـم مـثـل الـق

 

عب بـاد ظـلــه

إلا الحمس وهم قريش فيطوفون في ثيابهم، النساء في الليل والرجال في النهار وكانت المرأة منهم تتخذ مسابح من سيور فتعلقها بحقويها وتضمها وتدور الدوران بعينه ودوار بالضم موضع في الرمل ودوار سجن باليمامة.

فأدبرن كالجزع المفصل بينه

 

بجيد معم في العشيرة مخول

قال أبو عبيدة الجزع الخرز فيه بياض وسواد، فالوسط أبيض، والطرفان أسودان إلى الطول، وذلك أن البقر بيض القوائم.
ومعم مخول كريم العم والخال وذو العم والخال، وأضاف إليه الجزع لأن الجزع أصغر الخرز.

فألحقه بـالـهـاديات ودونـه

 

جواحرها في صرة لم تزمل

الجواحر: اللواتي قد تخلفن، والجاحر المتخلف حتى أدرك، فالحقه، لحق الفرس والغلام بالهاديات، ودونه المتخلفات والصرة: الجماعة، ويقال الصرة الصيحة والضجة وقيل الشدة، يقال صراتنا إذا شد بعضها على بعض وأما قوله تعالى (فأقبلت امرأته في صرة)، في شدة واهتمام وضجة والصرة بالكسرة الليلة الباردة ومنها قوله تعالى (فيها صر أصابت حرث قوم) قال الشماخ وهو ضرار بن معقل:

في ليلة صرة طخـياء نـاجـية

 

ما تبصر العين فيها كف ملتمس

وأما الصرة بالضم فالخرقة التي يصر فيها الشيء، قال الشاعر:

لا يألف الدرهم الصياح صرتها

 

لكن يمر عليها مر منطلـق

وقيل الصرة بالفتح الجماعة وقال بعض المفسرين (فأقبلت امرأته في صرة) أي في جماعة واستدل عليه بقول الشاعر:

هباط أودية ومأوى صرة

 

حسنا وفيهن الأسنة تلمع

وقوله: فعادى عداء بين ثورة ونعجة=دراكا ولم ينضح بماء فيغسل فعادى: والى بين صيدين في طلق، ولم ينضح بماء: أي لم يعرق، فيكون اعتراه ماء، فيغسل بالماء، وعداء مصدر عادي يعادي معاداة وعداء دراكا ومداركة، وعادى من العدو لا من العود، ولم يرد ثورا بعينه، ولا بقرة بعينها، والنعجة يريد بها البقرة الوحشية بدليل قوله دراكا ولو أراد ثورا ونعجة فقط لاستثنى بقوله، فعادى، ويجوز في ينضح بضم الياء وفتحها.

فظل طهاة اللحم ما بين منضج

 

صفيف شواء أو قدير معجل

الطهاة: الطباخون واحدهم طاه، والصفيف الذي صفف مرققا على الجمر والطبخ ما طب في قدر وأما خفض قدير فأجود ما قيل فيه وأجاز سيبويه أنه كان يجوز أن يقول من منضج صفيف شواء.
فحمل قديرا على صفيف، لو كان مجرورا.
وشرح هذا أنك لو عطفت اسما على اسم، وجاز لك فيه إعرابان، فأعربته بأحدهما، ثم عطفت الثاني عليه، جاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول. فتقول هذا ضارب زيد وعمرو، وإن شئت، قلت: هذا ضارب زيد وعمرا؛ لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا زيدا وعمرا. وكذلك تقول هذا ضارب زيدا وعمرو لأنه قد كان يجوز لك أن تقول هذا ضارب زيد وعمرو. فهذا يجيء على مذهب سيبويه وأنشد.

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة

 

ولا ناعب إلا بشؤم غرابها

 والمازني وأبو العباس لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما، ولا ناعبا؛ لأنه لا يجوز أن يضمر الخافض لأنه لا يتصرف، وهو من تمام الاسم.
وأما القول في البيت؛ فإن قديرا معطوف على منضج بلا ضرورة. والمعنى من بين قدير. والتقدير من بين منضج قدير، ثم حذف منضجا وأقام قديرا مقامه في الإعراب.

ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه

 

متى ما ترق العين فيه تسهل

[كأني وأبدان السـلاح غـدية

 

غدا غب ريعان السوام بأجدل

من الطامحات الطرف ضار كأنه=على الجمر حتى يستغيث بمأكل] أراد بالطرف العين، والطرف يكون المصدر، ورحنا أي رجعنا بالعشي، ويروى ورحنا يكاد الطرف بالكسر ينفض رأسه، ومعنى يقصر دونه؛ أنه إذا نظر إلى هذا الفرس أطال النظر، إلى ما ينظر منه حسنه، فلا يكاد يستوفي النظر إلى جميعه، ويحتمل أن يكون معناه أنه إذا نظر إلى هذا الفرس لم يدم النظر إليه لئلا يصيبه بعينيه لحسنه.
وروى الأصمعي، وأبو عبيدة ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه.
والطرف الكريم من كل شيء، والأنثى طرفة. وقيل الطرف الطرفين وقوله ينفض رأسه أي من المرح والنشاط.
وقوله متى ما ترق العين بفتح التاء والراء والقاف، ويجوز فتح التاء وكسر الراء، وضم القاف أي متى ما نظر إلى أعلاه نظر إلى أسفله بكماله، ليستقيم النظر إلى جميع جسده.

فبات عليه سرجه ولجـامـه

 

وبات بعيني قائما غير مرسل

وقوله عليه سرجه ولجامه في محل نصب خبر بات، وبات الثاني معطوفاً على الأول وبعيني خبره؛ أي بحيث أراه، وقائما في محل نصب على الحال، وغير مرسل إلى غير منهل ومعناه: أنه لما جيء به من الصيد، لم يرفع عنه سرجه وهو عرق ولم يقلع عنه لجامه فيعلف على التعب فيؤذيه ذلك.
ويجوز أن يكون معنى: فبات عليه سرجه ولجامه لأنهم مسافرون، كأنه أراد العدو فكان معدا لذلك، فبات على الهيئة ليرسل في وجه الصبح.

أصاح ترى برقا أريك وميضة

 

كلمع اليدين في حبي مكلـل

يروى أحار ترى ويروى "أعني على برق أريك وميضه" يقال ومض البرق، وأومض ومضاً وإيماضاً، والومض: الخفي، ووميضه: خطراته، وقوله كلمع اليدين أي كحركتهما، والحبي ما ارتفع من السحاب، والمكلل: المستدير، كالأكاليل، والمكلل المتبسم بالبرق ولك أن تقول: قال النحويون: لا ترخم النكرة فكيف جاز ترخيم صاحب وهو نكرة، قال سيبويه لا ترخم من النكرات إلا ما كان في آخره هاء كقوله:

حاري لا تستنكري عذيري

فالجواب أن أبا العباس قال لا يجوز أن ترخم نكرة ألبته، وأنكر على سيبويه ما قال: من أن النكرة ترخم، إذا كانت فيها الهاء، وزعم أن قوله:

جاري لا تستنكري عذيري

أنه يريد بأنها الجارية، ثم رخم على هذا معرفة، وكذلك في قوله صاح ترى كأنه قال أيها الصاحب ثم رخم على هذا ومما يسأل عنه في هذا البيت أن يقال كيف جاز أن يسقط حرف الاستفهام، وإنما المعنى أترى برقا؟ فإن قال قائل: إن الألف في قوله أصاح هي ألف الاستفهام فهذا خطأ لأنه لا يجوز أن يقول صاحب أقبل لأنك تسقط بين شيئين ألا ترى إذا قلت يا صاحب فمعناه أيها الصاحب؟ فالجواب عن هذا إن قوله أصاح: الألف للنداء كقولك يا صاح إلا أنها دلت على الاستفهام وقد أجاز النحويون: زيد عندك أم عمرو يريدون أزيد عندك أم عمرو؛ لأن أم دلت على معنى الاستفهام.
وأما بغير دلالة فلا يجوز، لأنك لو قلت: زيد عندك وأنت تريد الاستفهام لم يجز وقد أنكروا على عمر بن أبي ربيعة:

ثم قالوا: تحبها قلـت بـهـرا

 

عدد الرمل والحصا والتراب

قالوا لأنه أراد: قالوا: أتحبها ثم أسقط ألف الاستفهام وهذا عند أبي العباس ليس باستفهام إنما هو على الإلزام والتوبيخ كأنه قال: قالوا أنت تحبها! وقال بعضهم: الحبي الداني من الأرض، وقيل الحبي الذي قد حبى بعضه إلى بعض: أي تدانى، والمكلل من السحاب الذي علا بعضه على بعض.
ويقال المكلل السحاب الذي قد كلل بالبرق.

يضيء سناه أو مصابيح راهب

 

أهان السليط بالذبال المفتـل

 السنا: بالمد الشرف، وبالقصر الضوء، ويقال سنا يسنو إذا أضاء، ومصابيح مرفوع على أن يكون معطوفاً على المضمر الذي في الكاف في قوله كلمع اليدين. والمضمر يعود على البرق، وإن شئت على الوميض، وإن شئت عطفت على سناه. ويروى أو مصابيح راهب بالجر عطفا على قوله كلمع اليدين ويكون المعنى أو كمصابيح راهب أو على الهاء من سناه.
وقوله أهان السليط لم يكن عنده له قيم فيشرف على استعمالها في إتلافه في الوقود.
ولا معنى لراوية من روى: أمال السليط، والسليط عند عامة العرب الزيت، وعند أهل اليمن الشيرج. والذبال جمع ذبالة وهي الفتيلة وقد تثقل فيقال ذبالة.

قعدت له وصحبتي بين ضارج

 

وبين العذيب بعد ما متأمـل

أي قعدت لهذا البرق أنظر من أين يجيء بالمطر، وصحبتي بمعنى صاحب وهو اسم للجمع، وضارج والعذيب: مكانان، ويروى بين حامر وبين إكام، وحامر وإكام وهما من بلاد غطفان، ثم تعجب من ذلك فقال بعد ما متأمل أي ما أبعد ما تأملت، وحققت أنه نداء مضاف أي يا بعد ما متأمل بمعنى ما أبعد ما تأملت.
وروى الرياشي بعدما بفتح الباء وهي تحمل على معنيين أحدهما أن المعنى بعد ثم حذف الضمة كما يقال عضد في عضد.
ويجوز أن يكون المعنى بعدما تأملت، والتأمل التفرس والتثبت.

علا قطنا بالشيم أيمن صوبه

 

وأيسره على الستار فيذبل

وروى الأصمعي على قطن، وقطن بفتح القاف اسم جبل، والشيم النظر إلى البرق. وصوبه: مطره، أي ما يصيب الأرض منه، وقوله أيمن صوبه يحتمل معنيين أحدهما أن يكون من اليمن البركة، والآخر أن يكون من اليمين، وأيسره أيضا يحتمل من اليسر، وأن يكون من يسرة، ويذبل بالذال المعجمة اسم جبل، وهو لا ينصرف لأنه على وزن الفعل المضارع، وإنما صرفه لضرورة الشعر، ويروى على النباج وتيتل.

فأضحى يسح الماء حول كنـيفة

 

يكب على الأذقان دوح الكنهبل

أضحى: أي ضحوة النهار كثيفة: اسم موضع وقيل اسم جبل، والأذقان مستعارة لرؤوس الجبال وأعالي الشجر، ودوح هنا ضخام الشجر، الكنهبل شجر من أعظم العضاه مثل شجرة الطرف.
أي أن هذا المطر يقتلع الشجر إذا جرى من أعالي الجبال فيكبها في الأودية على أذقانها.

ومر على القنـان مـن نـفـيان

 

فأنزل منه العصم من كل منزل

القنان جبل لبني أسد لطيف والنفيان: بقية المطر، والعصم الوعول جمع أعصم ومنزل بفتح الميم وضمها على معنيين مختلفين.

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة

 

ولا أجما إلا مشيدا بجنـدل

تيماء اسم بلد، والأجم والأطم بناءان عاليان من الحصون وهي الأجام والآطام، مشيدا مبنيا بالشيد وهو الكلس وقيل الجص والجندل.

كأن ثبيرا في عرانين وبلـه

 

كبير أناس في بجاد مزمل

ثبير اسم جبل، الوبل: المطر والوبل أوسع المطر قطرا والبجاد كساء مخطط فيه سواد وبياض، والمزمل: المدثر مرفوع لأنه صفة كبير أناس.

كأن ذرا رأس المجنـب غـدوة

 

من السيل والإغثاء فلكة مغزل

المجنب: اسم جبل والغثاء معروف ومنه قوله تعالى (غناء أحوى) والغثاء اليابس، وما يبس يسمى غثاء من النبات، ويسمى هشيما، والغثاء والغثاء ما يحمله السيل مما جف من النبت.

وألقى بصحراء الغبيط بعـاعـه

 

نزول اليماني ذي العياب المحول

ويروى المجمل والغبيط اسم موضع والعياب جمع العيبة فيها متاع التاجر، أي زهر الأرض الذي أخرجه هذا المطر فجعل نزول الغيث كنزوله.

كأن مكاكـي الـجـواء غـدية

 

صبحن سلافا من رحيق مفلفل

مكاكي: جمع مكاء، طائر كبير، الجواء مكان والضمير لبكاء الغيث يشبهه بتغريد المكاكي وصفيره كصوت السكارى، والتصدية تصفيق اليدين، والجواء جمع جو وهو بطن الأرض الواسع، وانخفاض، غديه تصغير عدوة، صبحن أي سقين الصبوح والمفلفل: ما فيه الفلفل يريد بذلك حدة الشراب.

وألقى ببسيان مع الليل بـركـه

 

فأنزل منه العصم من كل منزل

كأن السباع فيه غرقـي عـشـية

 

بأرجائه القصوى أنابيش عنصل

وكأن هذا الغيث جر السباع فغرقها بسيله، فنظرت في جوانبه تبدو منها أرجلها وأطرافها، كما يبين العنصل إذا نبش، أنابيش جمع أنبوش. نجزت معلقة امرئ القيس الكندي وهي نيف وثمانون بيتاً والله الموفق للصواب.
 

وإذا نحن ندعو مرثد الخيل ربنا

 

وإذ نحن لا ندعى عبيدا لقرمل

 

 

 

تصميم هاني الطنبور http:/hanialtanbor.com